الخميس , 23 يناير 2020

محجّ غرِيْبِِة “يهود ” جُرْبَه التونسية

 

الأسعد الغايب بالقبّعة الأميركية المكسيكيّة

 
غريبة يهود جربة .. فيلم وثائقي من إنتاج وإخراج التونسي “الأسعد الغايب ” وهو يتناول تاريخ “يهود  تونس في جزيرة جربة التونسية “، ورصد صورة التعايش السلمي بينهم وبين المسلمين، وتأثير محاولات الحركة الصهيونية من أجل تهجيرهم إلى فلسطين المحتلّة تحت شعار الوطن القومي لليهود، هذه المواضيع مجتمعة تمّ تناولها في الفيلم الوثائقي الذي يسلط الضوء على جزء من الحياة اليومية لسكان الجزيرة المذكورة والتي تمثّل مجتمع اليهود المتكامل والآمن والهادىء وسط مدينة عربية مسلمةلم تسعَ على الإطلاق بتهجير اليهود أو إزاحتهم عن لُحمتِها الإنسانية بل على العكس تمنحهم كامل حقوقهم في ممارسة حياتهم الدينية والتجارية والعلمية بجميع طقوسها وخصوصيتها بخلاف ما تحاول الحكومات الإسرائيلية من تصويره للعالم بأنّ اليهود ظلموا في أوساطهم العربية لهذا اختاروا الهجرة إلى فلسطين لضمان الانتماء وتأمين وطن قومي بديل، وإضافة إلى كل ما جاء في المقدمة أعلاه فقد قدّم الفيلم تغطية هامّة للحدث الروحي السنوي ليهود جربة المعروف بالحجّ أو بالزيارة في المعبد اليهودي بالغريبة، والذي بُني في سنة 586 ق م. وهذا الحدث يتوافد لأجله اليهود من كل أصقاع العالم حيث الحجّ، وإقامة احتفالات أصبحت من السِمات السياحيّة البارزة في جزيرة جربة.
 
 
 
ماهي الغاية الحقيقيّة من إنتاج وإخراج فيلم “غِرِيْبِة يهود جربه ” وأنت تعلم كيف يمكن أن يثير حفيظة الكثير من الأطراف العربيّة وخاصّة في المرحلة الأخطر لتهويد القدس وتمرير صفقة القرن، ألم تَخَفْ أن يستفزّها الفيلم لتقف ضدّه أو معه؟ ثم بتقديرك ما هو الهدف الحقيقي لإنتاج هذا الفيلم أهو لمواساة فلسطين السليبة المنهوبة، أم لإنصاف اليهود إنسانياً؟ علما أننا لو تغلغلنا في صميم التعاليم الدينيّة في المزامير اليهودية نجد أن التكرّيس لمبدأ قتل الآخر هو أبرز المفاهيم المتداولة..!؟
 
من الغباء أن يكون في بلادي  موروث يهودي حاضر حتى الساعة وهو مجتمع متكامل، له جذور وتاريخ وعادات وتقاليد وخصوصيّة، وان لا أسلط عليه الضوء بشكل واضح وصريح وموثّق، ولم يكن أمامي سوى فكرة إنتاج فيلم يوثّق للحياة اليهودية في جربة بتناول هذا المجتمع القائم بحدّ ذاته، ولديه كامل الحرية في إقامة شعائره الدينية حيث يتوفّر في جربه “كنيس ” يهودي، لا يخضع لأيّة ضغوط أو شروط أو تحفظات من الحكومية التونسية والنظام السائد،
وجميعنا يعلم أن اليهود ليسوا فئة هامشيّة، وهذا راسخ على صعيد الذاكرة منذ أيام شبه الجزيرة العربية وقبائلها اليهودية المتعدّدة، والذين نعترف بهم وبنبيّهم موسى عليه السلام  كركن من أركان الدين الإسلامي، فالبحث عن اليهود في المنطقة العربيّة يعتبر مادّة ثريّة لأنها مثيرة للجدل على الصعيدين العربي والغربي.
 

الأسعد الغايب ورصد خاص من أرض الولايات المتحدة الأميركية

 
لا شكّ أن مسألة الربط بين يهود جربة ويهود فلسطين هو موضوع هام جدّاً، ففلسطين تحتضن القدس الشريف والمسجد الأقصى الذي بارك الربّ حوله، الذي جعل من زيارة الرسول الأكرم على ظهر البراق، الإشارة في هذه السورة “الإسراء والمعراج ” إلى قداسة هذه الأرض التي تشاركها “كنيسة المهد ” التي احتضنت السيد المسيح، إلى جانب الكثير من الكُنُس اليهودية، قبل أن تدخل العنصرية ويتدخّل السلاح ويعمّ الإحتلال.
 
إذاً يهود فلسطين خرجوا من أرض الأنبياء سواء من شبه الجزيرة العربية أو من أرض فلسطين، وهنا تقع مسؤولية كبيرة على عاتق من يتوصّل إلى نتاج يتعلّق بيهود جربه، كجزء من هذه المنظومة المكرّسة على الصعيد العربي والعالمي، والتي تحمل في طياتها الكثير الكثير من الإشكاليات، التي لا أرغب في الحديث عنها هنا أو في الفيلم، لأنه ما يهمني في الحالين هو أن أتطرّق إلى المسألة اليهودية من خلال “غريبة يهود جربة” حصرياً، وليس من خلال الأزمة المستعصية لحسم الصراع العربي × الإسرائيلي، ولابدّ من الإشارة إلى أنّ الفيلم تناول الجانب المدني المجتمعي الإنساني، بعيداً عن السياسة، ولو أني لم أعدم محور فكرة الفيلم التي قدّمت صورة جليّة عن يهود جربة كمجتمع يهودي في كنف مجتمع إسلامي.
من خلال هذا التداخل أردتُ توجيه رسالة إلى العالم أجمع، وقد تمّ عرض هذا الفيلم في العديد من مدن الولايات المتّحدة مؤخّرا، وقد نلت عليه العديد من شهادات التقدير والتكريم والجوائز، وقد كانت الأصداء أكبر مما كان متوقعاً، وقد وصلت الرسالة التي أردت الإفصاح عنها بشكل تام، وبمنتهى السلاسة والتفاعل، حين سلّطت الضوء من خلال الاحتفاء بيهود جربة كنموذج مصغّر من يهود العالم العربي الذين انتزعتهم العصبيّة القوميّة الصهيونيّة من بلدانهم التي كانوا يعيشون فيها كأيّ مواطن عربي سواء في الجزائر أو المغرب أو ليبيا أو مصر أو سوريا أو العراق أو لبنان.
وهنا تكمن أهمية الخطاب الضمني لِلُغة الصورة والمشهد في الفيلم غريبة يهود جربة الذي يهدف لتكذيب “الحركة الصهيونيّة “، التي تقوم على التعصّب وتقول: بأنّ اليهود مضطهدين في العالم العربي والإسلامي، لهذا يمكن اعتبار الفيلم بمثابة انتقاد للحركة الصهيونية التي تزعم في محاولاتها لبناء دولة إسرائيل على مفهوم ديني في حين أن معظم دول العالم مبنيّة على مفهوم عرقي، وهنا يمكن القول أن اليهود عرب، لعبت السياسة والعنصريّة في تاريخهم، وجذورهم، واستقرارهم، إذ كان بوسع كل يهودي وُلِدَ، وعاش، أن ينتمي إلى بلد المنشأ كما ينتمي المسيحي، ويتمسّك بوطنه وأرضه مهما عانى فيها من ظروف وأزمات.
إلا أنّ إسرائيل لا تريد التسليم بهذا المفهوم العرقي، لأنها ستجد نفسها حينها خارج الأرض تاريخياً وجغرافياً وهذا حديث يطول أفضّل الخوض ضمن نطاق السؤال الكثيف الذي يدور في فلك الفيلم فقط.

وبالعودة إلى السؤال عن مواساة فلسطين أو إنصاف اليهود، فأنا مع هذا الإصطلاح فيما ذهبت إليه من تلميح واستفسار، فأنا مع زعزعة إسرائيل فكريا ككيان غاصب، وهنا يسعني أن أؤكد ومن خلال البحث والتقصّي الذي اجتهدتُ في الخوض في أعماق أعماقه أثناء التحضير، للوقوف على فكرةِ الفيلم وتوثيقه بالصوت والصورة، وهو يعتبر الأول من نوعه ليس في المغرب العربي وحسب بل في عموم المنطقة العربية التي لا تخلو من بعض التجمعات اليهودية ولكن الجميع يتحاشى هذا التغلغل في المجتمع اليهودي، ويفضّل النأي بالنفس عن وجوب الإحتكاك المباشر في هذا الواقع الذي لايمكن غضّ الطرف عن مكوّنه وتفاصيله، ولا أخفي بأني خرجت من هذا الفيلم مقتنعاً بأن عدداً كبيراً من اليهود في أميركا وأوربا حيث تمّ عرض الفيلم قد أصبح غير واثق بما تروّج له “الحركة الصهيونيّة العالميّة” التي تستفيد من دعم الولايات المتّحدة باستنزاف متواصل لها وللاتّحاد الأوربي كذلك.

الأسعد الغايب مشاركاً في مدينة “كان ” الفرنسية

وهنا يمكن القول أنّ ما تبقّى من اليهود في العالم العربي أو في أصقاع العالم جلّهم مقتنع تماماً بضرورة التيه المتواصل إلى أن يُنْزِلَ الربُّ أحكامه، وهنا يكمن الإيمان الحقيقي بالمعتقد الديني والإخلاص لكتاب التوارة وتعاليم الربّ الذي كلّم موسى وجعل له حججاً وبراهين وإمكانيات تلقف كل الشكوك والطعون بقدرته ونبوّته.
 
في جزئيّة السؤال المطروح أعلاه حول الخوف من فتح مجال الإستفزاز لبعض الأطراف من إنتاج هذا الفيلم، فعلى العكس تماماً، لقد شكّل إنتاج الفيلم حالة من حالات الرضى لدى المجتمع التونسي خوصاً والمغاربي عموما، ناهيك عن الإهتمام الدولي الكبير جداً الذي لقيه الفيلم أثناء العروض بين الولايات المتحدة وبعدها، فقد نال الفيلم اهتماماً إعلامياً على أوسع نطاق بين مسموع ومرئي ومقروء.
 
حتى أنني تلقيت دعوة رسميّة بإدخال فيلم غريبة يهود جربة وبرمجته ضمن برنامج “مهرجان السينما الدولي ” في إسرائيل، وكما هو الفيلم دون حذف أو أي تعديل، وعلى الرغم من أنّ جميع تصريحاتي الإعلامية المتنوّعة التي ذكرتها بين مسموع ومرئي ومقروء كانت بمجملها تصبُّ في مناهضة الحركة الصهيونية، لهذا اعتبر أن الدعوة إيجابيّة بالمنظار النظري حيث موافقة وتفهّم الجهة المنظّمة للمهرجان بشكل تام وخاصة كونها من الداخل.
وهنا جدير بِنَا أن نتساءل أيضاً هل المشاركة في مهرجانات من هذا النوع بأفلام تدافع عن فلسطين إيجابيّاً وتطبيعيّاً حتى لو كان ينتقدهم في عقر دارهم هو بمثابة فرصة قد تكون مجدية لا يجب تبديدها، مع ذلك أنا أتحفّظ في قبول المشاركة لأنني لا أخاف من عرض الفيلم، بل أخاف على نفسي شخصياًّ، لأني أعلم أنه ثمّة من يصطاد في الماء العكر وبوسعه أن ينال منّي شخصيّاً، وقد وصلني أكثر من تهديد وتحذير عربي للأسف، بدل أن يصلني دعوة مفتوحة لعرض فيلمي في البلاد العربية التي أطمح أن يكون الفيلم مناسبة واسعة لفتح جميع الدفاتر المؤجلة والمهترئة والمغلقة منذ سبعة عقود ويزيد، ولست خائفاً من اتّهامي بالتطبيع لأنني مقتنع ان ما أقوم به مقاومة حقيقية لا تقلّ عن مسؤوليّة أيّ جندي مقاوم، تطوّع لخدمة القضية الفلسطينية “المُهمَلة ” عربيّاً، وأكرّر أنه ليس الخوف من تهمة التطبيع بل الخوف من أي فعل “بلطجة”  بالمعنى الدارج لذلك أخاف علي نفسي من الذهاب، لكنني في المقابل سأسمح بعرض الشريط، دون أن أحضر المهرجان حيث سينوب الفيلم عنّي شخصياً.. ولمتابعة الفيلم في كل مكان يمكن المشاهدة عبر الرابط المُدرج أدناه..
 
https://www.youtube.com/watch?v=gmMxoX0Q-Gk&t=18s&fbclid=IwAR2lM9qubyBxGtjakkTIc2T1FX1_w5SZpJATslgz7VDln3s3VzcDnhIIAK0
 
والشريط رغم أنه ينتقدهم بشدّة، إلا أنّ إدارة المهرجان حريصة على إدراج غريبة يهود جربة ضمن برنامج الأفلام المشاركة، لأنهم أصبحوا يخافون المعارك الحضاريّة، والفيلم أحد خطط المواجهة، كما أردته وكما يفهون أنه أخطر بكثير من السلاح، وقد تبيّن ذلك جليّا في موقفهم من “اليونسكو ” عندما صنّفت التراث على أنه “إسلامي ” في القدس، وكانت النتيجة لذلك خروج اسرائيل وأمريكا من منظمة اليونسكو.. وأحبّ أن أختم أنّ ما تنبأ له فيلم يهود جربة هو ما حدث فعليا على أرض الواقع مؤخّراً بتصعيد في الداخل الإسرائيلي والانتفاضة جاءت على يد المستوطنين اليهود هذه المرة لأنه وكما ذكرت داخل الفيلم اليهودي يعاني داخل إسرائيل من أزمة وجودية تتجلى في التباس الهوية لأنه قادم من مجتمعات مختلفة ومطالب بالتأقلم السريع والإنضباط في مجتمع أقرب للعسكري منه للمدني، وهو بحالة استنفار دائم تحسّباً من التهديدات المتواصلة لاستئصالة وانتزاعة من وطن قومي تمّ اغتصابة من سكان أصليين وشرعيين، والمعاناة تطول.
 
 
خاصّ – إلّا  –