×

عندما يصير الضمير “حاكماً “..

عندما يصير الضمير “حاكماً “..

غادا عندما يصير الضمير "حاكماً "..
غادا فؤاد السمّان / كاتبة وشاعره سورية – بيروت

      غادا فؤاد السمّان – بيروت

لعلنا لم نسمع عن حاكم عادل، مهجوس بأحوالِ رعيته كما سمعنا عن أيام الخليفة الراشد “عمر بن الخطّاب ” رضي الله عنه وأرضاه..

إذ ليس من السهل أن تكون مواطناً مستعاراً في وطنٍ مستعارٍ كما في هذه المدينة المُسمّاة “بيروت ” المفعمة بالحيوية، والقلق، والأزمات، التي لا تنتهي كونها على مقربةٍ من -الجحيم – الذي لا يراعي تاريخاً أو جغرافيا، ولم يسمع يوماً عن حرمة الجوار وحسن المعاملة..

هذا التوتر المتنامي فرض عزلة قسرية بين بيروت وبين العالم العربي.. لكن رغم أنف الحصار ظلَّ التواصل العربي الذي أساسه الاحترام المُتبادل، قائماً عبر الأثير، لمعرفة المواقف وبعض التفاصيل المُبهرة، وممن تصلني مقاطع عن مآثرهم النبيلة جداً، سموّ الشيخ “سلطان القاسمي ” حاكم الشارقة..

في البدايات كنت أقرأ عنه، وأسمع، وأتابع، وأشاهد، وأرى، كمن يقرأ عن إعلان ما، ثمّ بدأت تتواتر الدهشة، وتتسلّل إلى وجداني رويداً، رويداً، حتى أصبحت لا أكتفي بالحدث الذي يصلني بحدّ ذاته من هنا وهناك، بل أدخل محركات البحث لأقرأ المزيد وأتابع أكثر وأكثر، فلم أجد اثنين يختلفان على نبل ذاك الإنسان الحاكم الشريف النبيل، ولا حول تواضعه، ولا عن طيبته، وهو الإنسان- الإنسان، سليل الأصالة والسمو والرِفعة.. وهكذا بدأت تتّسع زاوية الرؤيا لديّ، لتصير أكثر إشراقاً قد يكون بوسعه أن يلامس وجدان القارىء العربي، كما يلامس الحرف هذه السطور..

فالحاكم هنا لم يعد حاكماً لمدينة ليس لي فيها “موطيء ” بصر، أو بصيرة، أو موطِيء حلم أو ظفيرة، الحاكم هنا قيمة إنسانيّة وثقافيّة تُلهم كل واحد فينا، فاقداً للأمل في هذا الكوكب، أو في تلكَ الأمّة.

فهو الشخصيّة الاستثنائيّة لما تبقّى في مجتمعاتنا من إنسانيّة، هو المثقّف الذي يصحو على كتاب وينام على آخر، وهذا ما يعرفه عنه القاصي قبل الداني، هو العادل بين العامّة تماماً كما بين الخاصّة، هو المتواضع أمام الصغير قبل الكبير، وأمام الفقير قبل الغنيّ، وأمام الضعيف قبل القوي، تاريخه يشهد على مواقف لا تُحصى عن وقفاته الباسلة مع كل إنسان حتى لو لم تربطه به أيّة صلة.

فما من مقيمٍ في الإمارات إلا وشَرُفَ بلقائِه، وسارع لزيارة الشارقة ليصافح “سلطانها “، ويتصوّر معه، ليبدأ تاريخاً جديداً من الإعتداد، والعلنيّة، والنشر، والمباهاة، والسطوع، والزهو، ليخلّد تلك اللحظة بلقاء الحاكم الأصيل سليل النبلاء الشيخ سلطان القاسمي..

وإذا كان لهذا المقال من غاية مُبيّتة، فهي توثيق لما رسخ في لُدن البال وثبتَ في صميم الوجدان، فأنا هنا لا أعدد مناقب صاحب السمو الشيخ سلطان بن محمد القاسمي، فالعالم بأسره يشهد أنه لم يكن يوماً حاكماً “متحكّماً ” كسائر الحكّام، بل حكيماً قرأ سيرة كلّ عظيم من عظماء هذه الأمّة وغيرها وانتهج نهجها، وأجزم أنّ الأقرب لوجدانه كان سيدنا “عمر بن الخطاب ” صاحب الذكر العاطر حتى يومنا هذا، وكما كانت الرعية في زمن سيدنا عمر، بكرامة مصانة، فما من أحد في عهده اشتكى الفاقة، ولا أحد عرف الخذلان، فها هو سمو الشيخ سلطان يَحفل بسيرةٍ ترشحُ بالبياض، والضوء، كما ترشح صور القديسين بالزيت، فمن سواه ناشد العالم عموماً والأمّة الإسلاميّة خصوصاً، في أكثر من خطاب، ومناسبة، ومقام، من أجل أطفال “غزّة ” مناشدة الأولياء والصالحين، وتضرّع لصون كرامة الأمّة، من سواه رفض التدخّل في تأجيج الحرب السورية، التي كرّست شروخاً اجتماعيّة، وما تزال.. تتفاقم وتتشعّب، بشروخ طائفيّة رفض فيها “السلطان القاسمي ” أن يُراهن على أحد، أو أن يدعم جهة على حساب أخرى، فبرأيه أن سوريّا هي واحده لا تتجزّأ، لأنها قائمة على نسيج عريق غير قابل للتمزيق مهما تعاقبت عليها المِحَن والإفتراءات، ومن غيره رفض الانصياع للاستكبار -الصهيوأميركي – على لبنان والأردن والعراق ومصر وليبيا واليمن وفلسطين.

يا صاحب هذه المكرُمات الإلهيّة وغيرها الكثير، أكتب اليوم ويعزّ علي أن أحسم أمري هل أكتب لكَ، أم أكتب عنكَ، أم أكتب إليك.. وبجميع الأحوال أنا أكتب بلسان حالي أولاً كمثقّفة مفجوعة عرفتْ في هذه المنطقة كل أدوات التعجّب، وعلامات الاستفهام التي لا جواب لها، ولا مبرر لآثامها الجِسَام كل حين، بل في معظم الأحيان، فما إن تخمد في بلادنا حرب حتى تستعر أخرى، وما إن تنتهي كارثة حتى تستيقظ فتنة، ناهيك عن تشرذم النفوس وتكالب الرؤوس على تركيع المثقّف، وتجويع المواطن، وتطبيع الأزلام، وسحق القِيَم، وردم المبادئ، وإعدام الأخلاق، وردم المُثُل العليا..إلخ…..

لا أريد أن ينحوّ السياق هنا إلى طاقة سلبية تضجّ بها السطور، بل أريد أن أشعر أنّ السماء المفتوحة بيننا، هي أكبر من الحواجز والحدود وتعقيدات تأشيرات السفر، بكل ما فيها من الامتيازات الفخرية غير المُتاحة إلّا لمن عَرَف كواليس الفرص الذهبيّة، والألقاب، والنعوت، والقفز فوق العقبات..

أريد أنّ أوثّق ليوم لا ينفع فيه مال ولا جاه ولا بنون، أنّ الهواء الذي نتنفّسه هو قاسم ربّاني مشترك لا يحتاج إلى أذن أو بروتوكولات رسميّة للتخاطب، ولا إلى تأشيرة لا أعرف لها منفداً أو مفاتيح، ولا إلى وثيقة سفر، ولا حتى إلى إقامة “ذهبيّة ” يعزّزها رصيد باهظ مركون في صندوق الأمانة المصرفية “مجهول ” السبب والنسب ومصادر التحصيل، في زمن أصبحت التجارة تشمل كل شيء بما فيها الكرامة والكبرياء، والأعضاء البشرية، والسلاح، والممنوعات التي تغرق مجتمعاتنا وتخدّر شبابنا بطريقة مزرية لا تقود إلّا للجحيم.

أكتبُ إليك لأنّك أخي في الله أولاً، ولأنّك أخي في الإنسانيّة، ولأنّك أخي في الضاد، ولأنّك أخي في المصير، ولأنّك أخي في العقيدة، فهل أحتاج إلى المزيد من الأواصر لأثبتَ أحقيّتي في الكتابة إلى أخي، وعن أخي، وأنا أتحدّث عن حالي وحال أبناء هذه الأمّة.. !

لا أريد أن أثقل عليك بالأسئلة كما أثقلتْ علينا الأيام، حسبي أنّك هنا في هذا الزمن الشاهد على أنّك ممن يقبض على الجمر، وبفضله تعالى أننا ممن آثر الجمر على المجوهرات، وآثر الأخلاق على الامتيازات، وآثر رضى الله ورضى الذات، على متاع الدنيا وكل ما فيها من متاهات..

يا صاحب السمو.. العالم بأسره يشهد أنك لم تكن حاكماً كسائر الحكّام، بل سموّك الإنساني والثقافي والأخلاقي، والمعرفي، جعل منك رجل فكر قبل أن تكون رجل قرار، ورجل إنسانيّة قبل أن تكون رجل سلطة..

يا صاحب السمو.. إن تحدّثت إليك بصوت أطفال غزّة ففي العديد من المناسبات كنت أنتَ صوتهم، ولو تحدّثت إليك بصوت شباب سوريّة، لم تقصّر يوماً في الزود عن أمنهم وأمانهم، سأتحدّث عنك بلسان المواطن المقهور، الذي يتطلّع إلى راعٍ عربي إنساني مثقّف، ليستعيد جسر التفاؤل، وليرسم لوحة الأمل في سماء الغد العربي الملبّدة بالغيوم.

فليكن سموّك ذاك الضوء الذي بحكمته، وحنكته، يمتّن أواصر الملهلة لعالمنا العربي المُستهدف بشراسة غير مسبوقة، وليدعُ جميع الأطراف العربيّة إلى مؤتمر عاجل قريب جداً، وليضع على طاولة البحث كل الاحتمالات المريعة لتدارك ما يمكن تداركه، قبل فوات الأوان.. وسواء وجدتَ من يستجيب أو من يناوئ حسبك وقتها أن تردد على مسامعك ومسامع من بوسعه أن يشهد.. “اللهم قد بلّغت “..

خاصّ – إلّا

Share this content:

مجلّة - إلّا - الألكترونية/ مجلة هادفة ذات مستوى ومحتوى سواء بما يساهم به أقلام الكتاب العرب المعروفه والمنتشرة بأهم المنابر العربية، أو بما يتمّ اختياره أحياناً من الصحف الزميلة بتدقيق وعناية فائقة، وحرصاً من مجلّة - إلّا - بإسهام المزيد من الأقلام الواعدة يُرجى مراسلتها على البريد الألكتروني / ghada2samman@gmail.com

إرسال التعليق