“الحزب” بلا سلاح… الجنوب بلا “اليونيفيل “

عبدالوهاب بدرخان – لندن
يواجه لبنان- الدولة معضلتين: إسرائيل وإيران، بالأحرى “حزب إيران/ حزب الله”. كلاهما خرّب لبنان، لكن أمامه فرصة واقعية لتقليص أخطارهما عليه. إسرائيل قويت وأصبحت تطرح نفسها “إسرائيل الكبرى”، في تحدٍّ للمنطقة كلّها، ما يضعها في مواجهة مفتوحة وطويلة لن تمكنها من فرض “حكمها” أو نفوذها، أيّاً تكن صيغ “التطبيع” معها. قويت إسرائيل على حساب إيران التي تراجعت على صُعد عدّة: عقوبات أضعفت اقتصادها، ضرب أذرعها الإقليمية، ثم ضربها مباشرةً، واستعداء البلدان والشعوب التي جنّدتها في “المقاومة لمصلحتها”. انكشفت عسكرياً وتساقطت تمويهات القوة التي كانت تتوارى وراءها للمحاربة بالوكالة. وبسبب هذا التراجع لم يعد نفوذ طهران كما جرى تصويره وتصوّره سابقاً، ولا أحد يتأسف عليه. أما إسرائيل التي تسعى الى “تغيير وجه الشرق الأوسط” وتبني نفوذها بالإبادة الجماعية والتطهير العرقي والتجويع والأرض المحروقة والتوسّع في الاحتلال، فإنها لا تشكّل بديلاً من إيران، بل استنساخاً لنمط الاجرام النازي.
بين زيارتيْ علي لاريجاني وتوم برّاك، شهد لبنان تصعيداً للاعتداءات الإسرائيلية وتهييجاً إيرانياً لما تُسمّى “البيئة”. ارتكب الأمين العام لـ “حزب إيران” مجدداً خطيئة التهديد بـ “حرب أهلية”، مع علمه بأن هذا سيبقى مجرد حكي لا يعوّل. هذه أول حرب أهلية معلنة ليس فيها طرفان “راغبان”، فـ “الخطيئة الكبرى” لم تعد قرار نزع السلاح بل أن يحرّض “الحزب” على الحكومة- وعلى رئيسها شخصياً- لأنها اتخذت قراراً لمصلحة البلد. والخطيئة “الأكبر” أن يعادي “الحزب” الجيش اللبناني أو يلوّح بإمكان الاعتداء عليه أو حتى تقسيمه. لكن الحكم اللبناني عرف كيف يتعامل مع الموفد الإيراني الذي غادر مقتنعاً بأن “الحزب” غارق في خطر الاضمحلال ما لم يحسن إدارة تداعيات هزيمته. كذلك، عرف الحكم كيف يفرض على المبعوث الأميركي منطق “الخطوة مقابل خطوة” فالمطلوب الآن تنازلٌ من إسرائيل لتكتسب وساطة واشنطن شيئاً من المصداقية.
هل استطاع لبنان أن يبعد ملف نزع السلاح غير الشرعي عن كواليس مفاوضات نووية، أميركية- إيرانية، لم تبدأ بعد ولا يُعرف متى ستبدأ أو هل ستنقلب كسابقتها الى مواجهة عسكرية؟ ما لم تكن هناك “رسائل إيرانية” تمرّر من لبنان الى إسرائيل، عبر برّاك أو غيره، يُفترض أن تنجح ديبلوماسية الحكم اللبناني في احتواء الصلف الإسرائيلي. ومن المهم أن يدرك “الحزب” أن له مصلحة في أن يتمكن لبنان من تحقيق مطالبه (وقف الاعتداءات، الانسحاب من التلال المحتلة وإعادة الأسرى) وبالتالي تفعيل طموحاته لإعادة الاعمار والتعافي الاقتصادي. أما إذا واصل “الحزب” المراهنة على “معجزة إيرانية” أو على الاعتداءات والاحتلال الاسرائيلية كي “يحمي” سلاحه فإنه يجازف بخسارة “الدنيا والآخرة”.
التجديد للقوات الدولية (اليونيفيل) لـ “سنة أخيرة” يحمل آمالاً ومحاذير. تتمثّل الآمال في أن تكون الدولة اللبنانية تمكنت بحلول آب/ أغسطس 2026 من اقفال ملف “حصر السلاح” في يدها، ومن إعادة النفوذ الإيراني الى حجم عادي. أما المحاذير فيبقى مصدرها إسرائيل والولايات المتحدة، وهما المتعجّلتان لإنهاء مهمة “اليونيفيل” مع أنها لم تزعج إسرائيل في أي يوم خلال 47 عاماً. الجنوب من دون “اليونيفيل” يفترض أن تكون إسرائيل دولة طبيعية، فهل تستطيع؟
المصدر / صحيفة النهار اللبنانية
Share this content:
إرسال التعليق