×

لبنان العريق بين الأمس واليوم

لبنان العريق بين الأمس واليوم

FB_IMG_1755783716298 لبنان العريق بين الأمس واليوم
فؤاد كيالي/ كاتب واعلامي لبناني – بيروت

فؤاد كيالي – بيروت

من الحرف إلى الشتيمة.. ضاع الحوار بين اللبنانيين من يقرأ النقاشات بين اللبنانيين على مواقع التواصل الاجتماعي، يكاد لا يصدق أن هذا الشعب هو نفسه الذي قدّم للشرق أول مطبعة، وصدّر الفكر والأدب والصحافة إلى العالم العربي. منصات كان يُفترض أن تكون مساحة للتواصل، تحولت إلى ميادين للتجريح والشتائم والتخوين، وكأنها مرآة لأزمة وطن يعيش انقساماته بكل تفاصيلها.
يكفي أن يكتب أحدهم منشوراً سياسياً ليختلف معه البعض، حتى تنهال التعليقات وكأنها قذائف كلامية سباب، تخوين، اتهامات بالعمالة، وشتائم تطال الأهل والمعتقدات. المشهد يتكرر يومياً، من مختلف الأطراف والانتماءات، في انحدار لغوي وأخلاقي يكاد يختصر حال الانهيار العام.
المفارقة أن كل لبناني مقتنع أن طائفته وحدها على حق، وأن حزبه هو الطريق الصحيح، وأن زعيمه مهما كانت فضائحه يبقى فوق النقد. أما المختلف معه، فهو بالضرورة خائن أو جاهل أو “تابع” هكذا، سقط الحوار أمام جدار العصبية، واستُبدل النقاش الراقي بلغة غوغائية لا تُنتج إلا مزيداً من الانقسام.
المؤلم أكثر أن اللبناني الذي لطالما افتخر بأن أجداده اخترعوا الحرف وبنوا السفن ونقلوا المعرفة، صار اليوم أسيراً لخطابٍ يفتقر إلى أبسط قواعد الاحترام. لبنان الذي كان يوصف بأنه منارة ثقافية وإعلامية في المنطقة، يعيش اليوم على وقع انحدار في الوعي المجتمعي، حيث صارت الشتيمة أسرع وسيلة للتعبير.
المشكلة ليست فقط في الشتائم، بل في ما تعكسه أزمة أخلاقية عميقة، وتعلق مرضي بالزعامات والطوائف، وانعدام القدرة على قبول الرأي الآخر. إنها صورة مصغّرة عن مأزق بلد غارق في الانقسامات، شعبه مستنزف في معارك وهمية على الفضاء الافتراضي، فيما أزماته الحقيقية تتراكم بلا حلول.
ويبقى السؤال الجوهري من أجل من تشتعل هذه الحروب الكلامية؟ ومن المستفيد من كل هذا الانقسام؟
الجواب، للأسف، ليس الشعب الذي يزداد فقراً ويأساً، بل طبقة سياسية تُتقن فنّ إدارة الانقسامات، وتُحوّل كل نقاش إلى ساحة معركة تُبعد الناس عن مواجهة الحقيقة أن سبب الأزمة ليس المختلفين على مواقع التواصل، بل من يتربعون على كراسي السلطة.

إلا

Share this content:

مجلّة - إلّا - الألكترونية/ مجلة هادفة ذات مستوى ومحتوى سواء بما يساهم به أقلام الكتاب العرب المعروفه والمنتشرة بأهم المنابر العربية، أو بما يتمّ اختياره أحياناً من الصحف الزميلة بتدقيق وعناية فائقة، وحرصاً من مجلّة - إلّا - بإسهام المزيد من الأقلام الواعدة يُرجى مراسلتها على البريد الألكتروني / ghada2samman@gmail.com

إرسال التعليق