“البطل ” في كل بيت من بيوتنا جميعاً

لقد استطاع بسام كوسا وعائلته وبعض المشاركين في مسلسل البطل ان يقتحموا حياتنا بأدق تفاصيلها اليومية التي تبدأ بفنجان القهوة الصباحي، وتنتهي في مساءات مربكة بالتقنين الكهربائي، والتفاصيل اليومية مع سلافه التي تغسل وتكنس وتمسح وتنتظر ثم تنتظر ثم تنتظر ثم تتمرد على الانتظار الخلّبي، مريم الفتاة التلقائية بحركتها الحيوية الدائبة التي تمتزج بالعاطفة الشخصية لمروان الذي رحل قبل ان يتوج علاقته الشرعية لمريم، والذي تشاطر مع مريم الكثير من العواطف الاجتماعية والعائلية والمستقبلية والفواجع،

ابو زهير المزارع الصديق الوفي السند الذي لم يتغير حتى اللحظة الاخيرة من عمر المسلسل والذي يصعب العثور عليه في الواقع، جيانا عيد ام فرج التي عادت الى الدراما السورية بعد غياب وهي الجميلة التي لم تكترث لمتغيرات الزمن في ملامحها ولم تهرول خلف عيادات التجميل للقضاء على خطوط الزمن بل اعتلت منصة المشهد بأداء إنساني رائع فكل لمسة حنان منها تختزل الكثير مما عاناه السوري داخل الوطن وحتى خارجه بأداء متزن هادئ رغم أنّ الحياة جارت عليها وقست قسوة هائلة، فرج يشبه الكثير من أبناء سوريا الذين اضطرهم الوطن للخروج عن مألوفه ودستوره وقوانيه لتعويض النقص الهائل وسد بعض الثغرات من أصل الكثير من الثغرات التي لا تحصى في حياة المواطن السوري وما حوله من اوطان مفخخة بالازمات المفتعلة والراسخة والمكرسة منذ سنوات وسنوات، وربما الهدف من إنهاء فرج في الحلقة الأخيرة هو الامل في القضاء على الفوضى التي اختزلها فرج في كسب عيشه بالطرق الملتوية، والامل في يوسف الصغير الذي ارتمى في حضن جده الذي قضى فترة السجن وكأنما الماضي الأصيل استعاد حريته ومجده ليلتقي مع المستقبل في يوسف الصغير الذي وجدت له مريم شرعية قسرية في نسب مركّب لكنه مهما كان حمل هوية صالحة للاعتراف بما بدأه مروان وصادق عليه فرج لتستكمل العائلة لملمة شتاتها وتتماسك بالحب والرضى من جديد.. وكأنما المسلسل يروي حكاية المجتمع السوري بإسقاطات مستمدة من عمق المأساة التي يعيشها الملايين في الداخل السوري على أمل ان يكون القادم أجمل، بكل الاحوال لقد استطاع مسلسل البطل الذي اعتمد على البيئة البسيطة والاسرة المتعلمة الراقية ان يفتح بوابات التلقي لدى المُشاهد على مصراعيها، فلم تترك الصورة أي تحفّظ لدى المشاهد العربي، فلا العلاقات العاطفية التي ربطت مريم بمروان او راما بفرج او سلافه بمجد تحمل أي فحش في الصورة او مبالغة بالاداء او لهاثا مقززا خلف مشاهد الاغراء التي تفخخ معظم الاعمال داخل رمضان وخارجه في الدراما العربية عموما، بل كان ثمة مراعاة هائلة لمشاعر المتلقي بالحفاظ الكامل على مشاعره باقتدار وتسامٍ وارتقاء، كذلك الاضاءة الخافتة التي كانت تحكم معظم المشاهد والتنوع فيها ما بين ليل ونهار، وصقيع ودفء، كلها ساهمت في تقريب المشهد بكامل حيثياته للواقع المُعاش، الانفعالات التي كان لكل ممثل في البطل نصيب منها كانت عفوية وطبيعية

ومعافاة من التكلّف والتصنّع والمبالغة، وهنا تكمن مهارة المخرج “الليث حجو ” الذي يجيد اختيار أبطاله فما من ممثل رئيسي في البطل كان زائدا على العمل بل الجميع كان متمما للمشهد حتى سائق سيارة التهريب الذي ظهر بدور صغير جدا، لكنه دور مركّز ومكثّف ومكتظّ ولاداعي لتفصيله لأنه استطاع ان يصمد في ذهني كمتلقية بكل ما لديه من قدره على استفزاز المُشاهِد، التصوير في مسلسل البطل الذي اعتمد الصورة السينمائية، والكادر التشميلي للصورة بكل ما فيها من تفاصيل متوازنة رغم كل البساطة مثل غرفة سلافة مثلا الغارقة في البؤس، الا انها بحركة النار المشتعلة، وبحركة الباب المتكررة بزوارها المتعاقبين ومبادرتها المتكررة لتقديم صينية القهوة، جعلت هذه الغرفة مألوفة لدى المتلقي لدرجة يشعر برائحة البن ويكاد يلمس بخار القهوة المتصاعد، الحديث عن تفاصيل مسلسل البطل بكل صغيرة وكبيرة يمكن ان يأخذ عشرات الصفحات، إلا انه وباختصار شديد يكفي القول، أنّ العمل الجيد بل الجيد جدا اذا لم نقل الممتاز لا يحتاج إلى فيلات خرافية وسيارات فارهة ولا ازياء باهرة ولا مكياج فاخر ولا شد ومط وبوتكس وتجميل مقزز، العمل الممتاز يحتاج إلى صدق مع الذات ومع المتلقي، يحتاج إلى بساطة في الأساس والاثاث معا، يحتاج إلى ثقة بالذات وبالبيئة وبالواقع، وعدم الهروب منه، وعدم الانجرار للتقليد الأعمى.. البطل عمل درامي غير مكتوب بحنكة المؤلف الليث حجو و المشارك “رامي كوسا “, بل هو عمل “محصود ” من واقع معاش بأدق التفاصيل للغالبية العظى من سكان الكرة الأرضية.
خاص – إلا
Share this content:
إرسال التعليق