الثلاثاء , 21 سبتمبر 2021

لبنان كما عرفته (٢ )

شوقي بغدادي / شاعر وكاتب سوري – دمشق

ها أنذا أغادر الطفولة وأدخل في المراهقة، حيثُ أمضي في عطلتي المدرسية، أبعد من طرابلس وأعني رحلتي إلى بيروت، هذه المدينة العاصمة التي كان لي فيها خمسة أعمام، وهكذا صرت موزّعاً بين طرابلس وبيروت، وعلى الأخصّ لدى عمّي كمال بغدادي، وعمّي أنور، اللذين كانا يقطنان في حيّ: الطريق الجديدة .. وكان هذا في ذلك الوقت أيّ في الثلاثينات، يحتل مساحة من صحراء رملية واسعة تطلّ من بعيد على البحر .

هناك كنّا مثلاً بعد العشاء نخرج من البيت، ونفرش بساطاً على الرمل، حيث نجلس متجاورين نتبادل سمر الليل بأحاديث كانت تثير فضولي، لما كان فيها من تنبؤاتٍ عن التوسّع الذي يطرأ على العاصمة، وخاصّة في اتّجاه الشرق الجنوبي من هذه الصحراء التي غطّتها اليوم الشوارع والبنايات والمعامل ولم يعد ثمة مكان لنا، لبساط ٍيُفرش على الرمل بعد أن صار الرمل كلّه مشغولا بالبنايات..

هناك بدأتُ أتلقّى بعض الدروس التي يمنحها الواقع المعيشي، فأفهم مثلاً أنّ معظم هذا التوسع العمراني كان للطائفة الإسلامية، وحين سألت عن المسيحيين أين يقطنون أجابوني، بأنّ معظمهم يسكنون في شمال المدينة الشرقي، والغربي، وأنه يختلف في طِرازه وتقاليده كثيراً عما أراه في الطريق الجديدة الرملي وكنت لم ألتقِ بأحدِ المسيحيين إلا مرّة واحدة حين زار الحيّ رجلَ دينٍ مسيحيٍّ، كان يظهر أحيانا، يجالس بعض السكان أمام دورهم أو في الدكاكينالواسعة حيث تعرفت اليه فوجدته رجلا لطيفا يتقن رواية القصص والأحاديث ذات المغزى الأخلاقي كمن يدعو إلى إخاء بين الطوائف المتباعدة، ولكنه لم يستمر طويلا في حضوره، وكان عمي أنور قد استطاع جذبه إلى مجلس قرب داره، وحين سألتُ عمّي بعد ذلك عن هذا الرجل ماذا يكون..

فأجابني وهو يبتسم ابتسامة عريضة : هذا رجل دين من المسيحيين الموارنة وزياراته كما يبدو كانت لأداء مهمة دينيّة، يتعرف من خلالها على المسلمين، من الطبقات المتوسّطة، والفقيرة، تمهيدا للتقارب الأخوي معهم…

لم أفهم من ابتسامة عمّي في ذلك العمر، سوى المعنى الأخلاقي ولكن عاماً بعد عام ،وقد صرت في عمر يسمح لي بأن أفهم سر ابتسامة العمّ في ذلك الحين، لمّا بدأتْ معلوماتي تتوسّع حول الوضع السياسي والإقتصادي ،في لبنان أكثر فأكثر، وكيف أنّ المسيحيين الموارنة، هم الطائفة الأكثر عدداً، ونفوذاً، وثراءً في لبنان عامّة، وأنّ منهم ينتخب دوماً رئيس الجمهورية، وأن المسلمين السنّة لهم منصب رئاسة الوزراء، وأنّ منصب رئاسة مجلس النواب من حصة المسلمين الشيعة…

وبهذه المعرفة بدأت أفهم أكثر فأكثر نوع النظام السياسي الذي يحكم لبنان، ومن خلاله المستوى الأقتصادي، والإجتماعي، الذي تتمتّع به الطوائف الدينية وأن الموارنة هم الذين يسيطرون على معظم المناصب الإداريّة، والإقتصادية في البلد…

وعاما بعد آخر بدأتُ أدركُ نوع الثقافة التي تسود في البلد، في جميع الفنون الأدبيّة، والطابع الخاص، الذي يميّز هذه المظاهر بين الشمال في طرابلس وضواحيها، ثمّ في الوسط، في بيروت، والجبل ثم في الجنوب اللبناني….

كنت في تلك الأثناء قد صرت شاعراً معروفاً في بلدي، وأنّ سمعتي هذه شرعتْ، تصل إلى لبنان، حيث صرتُ أدْعَى إلى مناسباتٍ احتفاليّة متنوّعةٍ، كالإحتفال بذكرى الكاتب اللبناني الشهير عمر فاخوري، ثم بعدها في ذكرى الزعيم الطرابلسي عبد الحميد كرامي، ثمّ في تأبين الشاعر اللبناني المعروف نقولا فياض، والتي سأتحدّث عنها بالتفصيل في مقالة لاحقة… عن لبنان كما عرفته.

 

خاصّ – إلّا –