×

لبنان الكبير بدأ من بيت صغير في الزبداني عين حليا.

لبنان الكبير بدأ من بيت صغير في الزبداني عين حليا.

FB_IMG_1739828970738 لبنان الكبير بدأ من بيت صغير في الزبداني عين حليا.
محمد الشماع/ كاتب وصحافي سوري، عضو في تيار الوعي- الزبداني

محمد الشمّاع – سوريا

الزبداني ليست مدينة عابرة في الجغرافيا السورية، بل هي نقطة ارتكاز في سردية المشرق، حيث تتقاطع الجبال مع الذاكرة، وتتشابك اللهجات مع الجذور. تقع الزبداني على بعد 45 كيلومترًا شمال غرب دمشق، وتمتد على سفوح جبال لبنان الشرقية، وتشرف على سهل خصب يُعرف بسهل الزبداني، وتحيط بها قرى مثل بلودان، بقين، مضايا، سرغايا، عين حور، وبرهليا. ترتفع عن سطح البحر بين 1150 و1250 مترًا، وتنبع من جنوبها مياه نهر بردى، وتكثر فيها الينابيع مثل نبع العرق والكبري والجرجانية، وتزدهر فيها أشجار التفاح والإجاص والخوخ والدراق والجوز والتين والعنب، ما جعلها منذ القدم مقصدًا للاستقرار والزراعة والتجارة.

الاسم نفسه يحمل دلالة روحية وتاريخية، فـ”زبداني” مشتق من الجذر الآرامي “زبد”، أي لبّ الخير وخلاصته. وقد عبد الآراميون إلهًا بهذا الاسم “زبدئيل”، وجعلوه ابن الشمس “إيل”، وبنوا له المعابد والهياكل. وما تزال آثار هذا الاسم في مناطق متعددة مثل “زيدل” في لبنان، و”زبدان” في الجزيرة السورية، و”ربدئيل” في العراق، و”ربلان” في اليمن، وجبل “زاباد”، ما يدل على أن الزبداني ليست مجرد اسم، بل رمزٌ يتنقل بين الجغرافيا والذاكرة.

منذ آلاف السنين، استوطن الإنسان هذه الأرض بسبب وفرة مياهها وخيراتها، وكان الآراميون أول من سكنها، وهم من نسل سام بن نوح، الذين أسسوا مدينة دمشق وامتدوا نحو الزبداني والسفيرة وحلبون وصيدنايا. كانت الزبداني طريقًا تجاريًا للقوافل بين دمشق وبعلبك، وطريقًا عسكريًا للفتوحات. وكانت تقوم فيها قرى صناعية مثل كفر نفاخ وكفر عامر، يعمل سكانها في صناعة الحرير الطبيعي ومزارع الكروم والعنب ومعاصره. وكان فيها سوق أسبوعي يُعرف بـ”خان الفندق”، حيث تُعرض البضائع القادمة من دمشق، وتُقام استراحات للقوافل، وحمامات كبيرة تصلها المياه من نبع الجرجانية. كما كانت تضم مجموعة من الأديرة للرهبان والزهاد، مثل دير الأخرس ودير سلامة، ما يعكس التنوع الروحي والثقافي للمنطقة.

عين حليا، إحدى قرى الزبداني، كانت موطنًا لعائلات لبنانية وسورية، منها عائلة الحويك التي يُعتقد أن أصولها تعود إلى هذه القرية قبل أن تنتقل إلى البترون في لبنان. المطران إلياس بطرس الحويك، بطريرك الموارنة ومهندس إعلان لبنان الكبير عام 1920، هو أحد أبرز رموز هذا الامتداد الروحي والجغرافي بين الزبداني ولبنان. كذلك عائلة الصليبي، التي ارتبطت بعين حليا، ومنها خرج المؤرخ كمال الصليبي، صاحب كتاب “طائر على سنديانة”، الذي أعاد تعريف الهوية اللبنانية من منظور لغوي وجغرافي. ومن الزبداني أيضًا، برزت عائلات مثل الحلو، الشدياق، أبي شقرا، مخلوف، ومعوض، وكلها ساهمت في بناء الكنائس والمدارس، وشاركت في الحياة الثقافية والدينية في لبنان، ما خلق هوية مزدوجة تتحدث بلهجتين وتصلّي في كنيستين، لكنها تنتمي إلى أرض واحدة.

سرغايا، بلدة تقع على بعد 12 كم شمال الزبداني، وتبعد 22 كم فقط عن بعلبك اللبنانية، كانت طريقًا للقوافل بين دمشق وبعلبك، وتُظهر آثارها القديمة وسكة الحديد التي تمر بها أنها كانت شريانًا اقتصاديًا وثقافيًا بين البلدين. في هذه المنطقة، كانت تُكتب قصيدة الوطن قبل أن تُقطع بالأسلاك الشائكة، وكانت البيوت تُبنى بالحجر والحنين، وكانت الكنائس تُجاور المساجد دون أن يسأل أحد عن الطائفة. الرحالة ياقوت الحموي ذكر الزبداني في معجمه الجغرافي، واصفًا إياها بأنها “كورة مشهورة بين دمشق وبعلبك، منها خرج نهر دمشق”، وأشار إلى العدل الزبداني الذي كان يترسل بين صلاح الدين الأيوبي والفرنج، ما يعكس أهمية المدينة في التاريخ السياسي والدبلوماسي للمنطقة.

اللهجة الزبدانية، التي تتقاطع مع لهجات جبيل والبترون وبعلبك، ليست مجرد نبرة صوت، بل بصمة جغرافية تحمل في طياتها تاريخًا من التداخل والتآلف. كلمات مثل “شو؟” و”ليش؟” و”إيه والله” ليست ألفاظًا عابرة، بل علامات على طريق مشتركٍ مشيناه قبل أن تأتي الحواجز والجوازات. في الزبداني، كانت اللهجة تُغنّى في الحقول وتُهمس في أزقة الكنائس والمساجد. وفي جبيل، كانت تُكتب بها القصائد وتُلقى بها الخطب. وفي بعلبك، كانت تُنشد بها المواويل وتُروى بها الحكايات. الزبداني ليست مدينة، بل فكرة. فكرة أن الأصل لا يُمحى، وأن الجغرافيا حين تنطق، لا تنطق بلهجة واحدة، بل تلد فكرة وطنين. من عين حليا إلى بكركي، ومن سرغايا إلى بعلبك، ومن نبع الجرجانية إلى نهر بردى، كانت الزبداني تقول: نحن لا نُقاس بالخرائط، بل بالحنين، ولا نُعرّف بالسياسة، بل بالذاكرة. وكل من مرّ بها، من الحويك إلى الصليبي، من الرهبان إلى الرحالة، ترك فيها أثرًا لا يُمحى، لأن الزبداني لا تنسى من أحبّها، حتى لو نسيها العالم.

المراجع التي استند إليها هذا النص تشمل: موسوعة ويكيبيديا العربية حول الزبداني، مقال “الزبداني: لبّ الخير والجوع والتهجير” في العربي الجديد، كتاب “طائر على سنديانة” لكمال الصليبي، ومصادر شفوية من أبناء عين حليا وسرغايا والزبداني، بالإضافة إلى مقال “أسماء العائلات اللبنانية ودلالاتها” المنشور في موقع LebanonFiles.

خاصّ – إلّا

Share this content:

مجلّة - إلّا - الألكترونية/ مجلة هادفة ذات مستوى ومحتوى سواء بما يساهم به أقلام الكتاب العرب المعروفه والمنتشرة بأهم المنابر العربية، أو بما يتمّ اختياره أحياناً من الصحف الزميلة بتدقيق وعناية فائقة، وحرصاً من مجلّة - إلّا - بإسهام المزيد من الأقلام الواعدة يُرجى مراسلتها على البريد الألكتروني / ghada2samman@gmail.com

إرسال التعليق