×

وطن ولكن…

وطن ولكن…

FB_IMG_1739828970738 وطن ولكن...
محمد الشمّاع/ كاتب واعلامي سوري وعضو مؤسس في تيار – الوعي – الوبداني

“نحن لم نولد في أوطان… بل في كذبة مصمّمة بعناية”
شهادة على جغرافيا مستعارة وهوية لم نخترها
بقلم: محمد الشماع

مقدمة: حين يولد الإنسان داخل كذبة

لم نولد في وطن.
نحن أبناء كذبة مصمّمة بعناية، كُتبت بخط استعماري أنيق، وعلّمتنا المدارس أن نُقسم لها بالولاء.
نحن لا نعيش في دول، بل في أقفاص مصنوعة من خرائط ورقية، نُقنع أنفسنا أنها أوطان، ونُقاتل من أجلها كما يُقاتل الغريق من أجل خشبة طافية.

كلما حاولت أن أرى الحقيقة بتجرد، اصطدمت بجدار داخلي:
أنا ابن هذه الكذبة.
نشأت داخلها، تنفستها، رددت نشيدها، وارتجفت حين سُئلت عنها.
لكنني اليوم، لا أكتب لأُعلن يقينًا، بل لأزرع شكًا.
لأن الشك هو الطريق الوحيد إلى الإيمان الصحيح.

الكيان الذي لم نختره

لبنان، سوريا، العراق، فلسطين…
أسماء نحملها في بطاقات الهوية، لكنها ليست أكثر من أقنعة سياسية وُضعت على وجه جغرافيا مكسورة.

  • لبنان لم يولد من رحم توازن داخلي، بل من يد الجنرال غورو، الذي قطع جزءًا من سوريا وسمّاه “دولة”.
  • سوريا لم تُرسم بإرادة شعب، بل باتفاقية سايكس-بيكو، حيث جلس رجلان بريطاني وفرنسي، وقسّما المشرق كما تُقسم الغنائم.
  • العراق خُلق من دمج ثلاث ولايات عثمانية متنافرة، لا يجمعها سوى النفط والبارود.

نحن لم نرسم هذه الخرائط، بل وُلدنا داخلها، ثم طُلب منا أن نموت دفاعًا عنها.

الإرث الذي يسكننا دون أن نراه

نحن لا نحمل هذا الإرث، بل هو الذي يحملنا.
إرث الطائفة، إرث الهزيمة، إرث الدولة المصطنعة، إرث الأبوة الفكرية.
كل شيء فينا موروث: الخوف، الولاء، العدو، وحتى الحلم.

  • نُعرّف أنفسنا كـ “سنة” أو “شيعة” أو “موارنة”، لا كبشر.
  • نُقاتل من أجل “دولة” لا نعرف من بناها، ولا لماذا.
  • نُردد شعارات لم نكتبها، ونخاف من أسئلة لم نطرحها.

نحن لا نعيش في دول، بل في مسرحيات سياسية طويلة، كُتب نصها في باريس ولندن، وأُخرجت على مسرح الطوائف.

مواجهة الذات: الجبهة التي لا نجرؤ على دخولها

كلما حاولت أن أفكر خارج هذا القفص، اكتشفت أن القفص في داخلي.
أنني لا أستطيع أن أتصور وطنًا جديدًا، لأنني لم أتحرر بعد من اللغة التي صاغت وطني القديم.

مواجهة الذات أصعب من مواجهة العدو.
لأنها تتطلب أن نخلع كل ما ورثناه:
الاسم، الطائفة، الخريطة، النشيد، وحتى صورة الوطن في الذاكرة.

لكنني أؤمن أن الطريق إلى الوطن لا يمر عبر الحدود، بل عبر الداخل.
لن نجد الوطن قبل أن نجد أنفسنا.
ولن نجد أنفسنا قبل أن نكفّ عن ترديد ما قيل لنا، ونبدأ في الكتابة من الصفر.

الشك كفعل تحرر

الشك ليس عداءً للوطن، بل تحرر من وهمه.
الشك ليس هدمًا، بل تنقيب عن المعنى تحت الركام.
الشك هو أن تسأل:
من أنا؟
من كتب هذا التاريخ؟
من رسم هذه الخريطة؟
من قرر أن هذا هو عدوي، وهذا هو بطلي؟

كما قال الغزالي: “من لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يُبصر، ومن لم يُبصر بقي في العمى والضلال.”

الشهادة على الكذبة

أنا لا أملك مشروعًا سياسيًا، ولا أزعم أنني أملك الحل.
لكنني أكتب، وأتأمل، وأشك، وأشهد.
أشهد على الكذبة كي لا تمر بصمت.
أزرع الشك لأن الشك هو الطريق إلى الإيمان الصحيح.
أحاول أن أواجه نفسي، لأنني أعلم أن الطريق إلى الوطن يبدأ من الداخل.

ما بعد الكذبة: ماذا نورّث؟

إذا كنا قد ورثنا كذبة،
فلنترك لمن بعدنا بذرة وعي.
لا نريد أن نورّثهم خريطة، بل سؤالًا مفتوحًا.
لا نريد أن نُعطيهم وطنًا جاهزًا، بل الحق في أن يختاروا وطنهم بأنفسهم.

من نحن؟

نحن أبناء كذبة، نعم.
لكننا لسنا مضطرين أن نُورّثها.
ربما لا نستطيع أن نُعيد تشكيل الخريطة،
لكننا نستطيع أن نُعيد تشكيل الوعي.
وحين نرى أنفسنا بصدق،
سيتشكل الوطن من تلقاء نفسه
لا كخريطة، بل كمرآة.

خاصّ – إلّا

Share this content:

مجلّة - إلّا - الألكترونية/ مجلة هادفة ذات مستوى ومحتوى سواء بما يساهم به أقلام الكتاب العرب المعروفه والمنتشرة بأهم المنابر العربية، أو بما يتمّ اختياره أحياناً من الصحف الزميلة بتدقيق وعناية فائقة، وحرصاً من مجلّة - إلّا - بإسهام المزيد من الأقلام الواعدة يُرجى مراسلتها على البريد الألكتروني / ghada2samman@gmail.com

إرسال التعليق