×

هل الحرب أوكرانيّة أم أكثر؟!!

هل الحرب أوكرانيّة أم أكثر؟!!

غادا فؤاد السمّان / شاعرة وكاتبة سورية – بيروت

في الحلقات الأخيرة من برنامج د. طلال أبوغزاله “العالم إلى أين؟!” على شاشة RT الروسية قبل أكثر من عام ونصف، كان يشدد ويؤكد على أنّ العالم مقبل على حرب عالمية ثالثة، وكان يكرر في أكثر من فكرة عن طبيعة الحرب القادمة، كصراع نفوذ وأهمّه الصراع الاقتصادي، لترسيخ مفاهيم القوّة، وفتح النادي الدولي للاعبين الأشاوس في عالم المال والسلطة..

وعندما بدأ الزحف التتري لفيروس “كورونا” وشلّت أوصال العالم بالرهبة والهلع والتهويل الإعلامي، والحجر والتأهّب للأسوأ، وتوقّف برنامج العالم إلى أين ؟! بقينا نردد سؤال الدكتور طلال في سرّنا وعلانيتنا “العالم إلى أين ؟!”. لم يتوقّف الدكتور طلال عن التفكير والتحضير لما هو جديد، وكلّنا نردد في قرارة أنفسنا، وفي سجالاتنا المفتوحة عبر الأثير مع الأصدقاء والمعارف والمهتمين، أن طلال أبوغزاله الوحيد الذي تحدث مراراً عن الحرب قد وقع في مطبّ المبالغة والمغالاة في تكهّن استباقي لأحداث وهمية لا يمكن أن تحصل بل يستحيل أن تحصل، وربما نحن توقفنا عن التعليق على قراءة أبوغزاله التي استشرف فيها المستقبل، علمًا أنه في كل حوار ولقاء ومقال وتصريح، كان يؤكد أنه لا يتنبّأ، ولا يتطيّر، فقط هو قارىء مجتهد للواقع، يدرس ويجيد الاستنتاج الحتمي من باب المنطق، ونوافذ الموضوعية، المفتوحة أمام نظر بعيد المدى وهذا كل مافي الأمر.

قبل يومين قرأت مجدداً مقال للدكتور أبوغزاله بعنوان “رسالة مفتوحة” وكلّما قرأت لهذا “المعلّم” وجدت نفسي أمام تحدٍّ متكرر لذاتي بفرض التنصّل من المبالاة لأنكبّ على كتابة مقال جديد يدور في فلك ما كتب وما قال وما صرّح به من أفكار يصعب استبعادها مهما تعاظمت المحاولة..

حاولت الإصغاء للكثير من المحللين عبر الشاشة الصغيرة ولعدة محطات تنهمك في طرح أسئلة سطحية يترتّب عليها إجابات آنيّةٍ بلغةٍ مُربّكةٍ فضفاضة، كما تابعت العديد من الإذاعات وضيوفها من المخضرمين النتيجة نفسها، كل الذين يتحدثون، يتحدثون من تقصّي الأحداث اليومية وفق نشرات الأخبار والمراسلين من مسرح الأحداث أوكرانيا..

في مقال أبوغزاله الأخير الأمر يختلف تماماً، إذ ثمّة تفنيد للأزمة تفنيداً تكتيكياً حذقاً بمنتهى العمق والمهارة، وفق جدولة وعناوين رئيسيّة، ومضامين تسلسليّة بلغةٍ تقريريّة، لا تحتمل الثرثرة، ولا الزوائد اللفظية التي بوسعها أن تنتزع القارىء من تركيزه في تلقّي الجرعة المكثّفة والمركّزة والمغربلة لتقديم المستقبل على طبق بسيط نفض عنه جميع المزركشات والحشو، حيث يقرأ الخريطة برؤية متوازنة وخبرة استراتيجية ووضوح تام..

تحدّث أولاً عن تاريخ الأزمة، وبعدها تطرّق إلى توصيف الأزمة بتحقيلات محدّدة، ثالثاً تناول مراحل الأزمة، رابعاً استعرض مستقبل الأزمة، خامساً وأخيراً لم يفته التنويه عن آثار الأزمة وخاصّة على المواطن العربي، تاركاً ملاحظات ونصائح بمنتهى الأهميّة، التي بتقديري ضرورة الأخذ بها بعين الاعتبار والإلتزام ما أمكن في سرعة التطبيق، فالحرب القادمة هي أخطر من السيناريوهات الكلاسيكية القديمة بكثير، هي حرب اقتصادية بكل معنى الكلمة، وقد انعكست سلبيات الحرب في الأيام السبعة الأول على كامل أوربا، وعلى العديد من الدول العربية في مقدمها لبنان المأزوم أصلاً، والذي يعتمد في استيراده الأساسي للقمح والزيوت على أوكرانية، ولا أحد كان يتصوّر قبل أسبوع واحد فقط أن الواقع سينقلب رأساً على عقب، وخاصة أن الحرب لم تكن تحمل أيّ تمهيد أو مقدمات فالأمر مع الرئيس الروسي “فلاديمر بوتين” يختلف كليّاً، هو لم يتحدّث سياسيّاً كغيره من الرؤساء، لم يهدّد ولم يتوعّد، فقط كان يتحرّك عسكرياً بخطىً ثابتة على مرأى العالم أجمع، حيث ترك لعدسات المراقبين في كل مكان أن تتكهن وتحلل وتتوقع وتتابع وتترقّب، ولم يطل الانتظار بل كانت الصواريخ التي أمطرت سماء أوكرانيا أسرع من كل التوقعات، وقد ضربت عموم البُنى التحتيّة، وعطّلت كل مفاصل الحركة الأوكرانية، وشلّت معظم مظاهر الحياة في عموم المناطق الأوكرانية الأمر الذي شكّل صدمة حقيقيّة للجميع..

ربما لستُ وحدي من لم يستغرب ما أقدم عليه بوتين فهو يجسّد رغبة كل روسي بعودة “الاتّحاد السوفيتي”، تلك العقيدة الراسخة في أذهان جميع الروس حسبما يشير أبوغزاله في مقاله المذكور أعلاه..

فلاديمر بوتين يدرك تماماً أين يوجّه خطابه ليس للداخل الروسي وحسب، بل للعالم أجمع، وفي قرارته يستهدف قطبين يلخّصان طبيعة الصراع على زعامة العالم، لا ثالث لهما هما الاتّحاد السوفيتّي، والولايات المتّحدة الاميركية التي زرعت حلف شمال الأطلسي المُسمّى “الناتو” لدعم حربها الباردة مع الإتّحاد السوفيتّي، والتي استغرقت وقتاً طويلاً من المماطلة التي أوصلتها إلى حرب النجوم، ثم التنافس على الفضاء، لكنّ على ما يبدو أن بوتين ملّ اللعب في الوقت الضائع لهذا أعلن النفير على أوكرانيا لحسم الجولة الأخيرة بالسُبُل العسكرية.. الأمر الذي أربك الاتّحاد الأوربي ووقف مكتوف الأيدي أمام الحرب الروسيّة التي لم تتردد بدورها في قطع الطاقة عن أوربا المتمثّلة في أنابيب الغاز والنفط، كمصدرين للطاقة التي تُعتبر عَصَب الحياة الأوربية على جميع الأصعدة، ورغم سخطها وغضبها وشجبها واستنكارها إلا أنها تخشى الإنجرار إلى فتح الجبهات العسكرية لتخفيف الوطأة على الساحة الأوكرانية فاكتفت بإغلاق المجالات الجويّة والمعاملات المصرفية وما زالت مترددة في قطع نظام “السويفت” مع روسيا..

في المقابل أميركا آثرتْ أن تخوض حرب النظّارات والتنظيرات عن بُعُد، وفي نيّتها المُبيّتة كما روسيا تماماً قيادة النظام العالمي الجديد وكما يرى أبوغزاله، فإن لم يفلح كل طرف على حِدَه بالتفرّد في القبض على الزمام، فلا بأس بقيادة ثنائية تنافسيّة كما في السابق.

لا شكّ أن أوربا لا تزال تحت تأثير الصدمة أو هكذا يبدو المشهد حالياً على الأقل، في غضون بضعة أيام من احتدام الأزمة الروسية×الأوكرانية، وحتى اللحظة لا شيء سوى تصعيد وتيرة الخطابات والنصائح والاستنكارات المتعاقبة من دول الاتحاد الأوربي نحو الرئيس الروسي باللجوء إلى الطُرق الدبلوماسيّة، إلا أنّ فلاديمير بوتين وتربيته العسكرية تجعل الحرب أسهل عليه من الإصغاء للأصوات المتفاوتة القادمة من القارّة الأوربيّة “العجوز”، والتي من الجائز جدّاً وأؤكد على كلمة “جدّاً” بناء على تأكيد أبوغزاله، الذي بدأتُ أسلّم جدلاً فيما يذهب إليه من تحليلات وتأويلات مستقبليّة كأن تجد أوربا نفسها مُجبَرة على خوض الحرب الشاملة، والمُتوقّعة وهي الحرب العالمية “الثالثة” التي بدأت شرارتها في أوكرانيا ولن تنتهي مع نهاية العام قبل أن تستجرّ دول حلف شمال الأطلسي، وفق المخطّط الروسي الكامن في ثنايا الهجمة الاستباقيّة للحدّ من المخاطر المحتملة مستقبلاً على روسيا وهو حقّها المشروع في حفظ أمنها وضبط حدودها وعمقها الجغرافي..

وحسب أبوغزاله أيضاً، لا بدّ من التنويه للتِنيْن الأصفر “الصين” الذي يواكب القرارات الروسية خطوة خطوة، بل هو شريك ضامن وداعم لإدارة بوتين منذ اللحظة الأولى للحرب على أوكرانيا وكما يرى بوتين في أوكرانيا بوابة الأمان لروسيا، فإن الصين لديها ذات القناعة في “تايوان” وربما هي الفرصة الأنسب لإعلان النفير من قِبَلِها هي الأخرى وضم تايوان إلى الصين في القريب القريب، وهذه النوايا لا تخفى على أحد، والغد ليس ببعيد لمن يقرأ الأحداث جيداً ويتابع تطوّرها جيداً كما يفعل أبوغزاله..

ولعلّ هذه الخطوة الحتميّة نسبيّاً برأيه يمكن أن تكون بإيعاز مباشر من الروس لتحرّك الصين، ليضمن بوتين تشتيت أنظار العالم وبالتالي تخفيف وطأة الضغط الدولي على روسيا، وأيضاً بمثابة رادع لأميركا التي لا تكفّ عن مبادراتها الإستفزازيّة تجاه بوتين ومزاحمته لزعزعة طموحاته واستقراره..

لعلّ هذه الحرب مجرّد حرب روسية×أوكرانية مبدئيّاً، والأوربيّة الشاملة قادماً، تكتفي فيها أميركا بالحرب الإملائيّة حيث تملي على روسيا حزمة من العقوبات الإقتصادية، وقد ساهمتْ من طَرَفِها في تعطيل المعاملات المصرفيّة، ناهيك عن الحرب “السيبرانيّة” الحديثة حيث أعدّت أميريكا أرتالاً من الجيوش الألكترونيّة، وقد استباحت أهم المواقع الروسيّة في أكثر المراكز حساسيّة ليس آخرها ِوزارة الدفاع التي لم تسلم من اقتحام صفحاتها و”تهكيرها” والقضاء على ال”سيستم ” فيها، وكأنما أميركا تقتصر على حرب الأعصاب الاستفزازية لا غير، كونها لا تعتبر أنّ هذه الحرب المستعرة في أوكرانيا حربها شخصيّاً، بل آثرت أن تجعلها حرباً بالوكالة، تعوّل على تعزيزها عن طريق صَنيْعَتِها “حلف شمال الأطلسي”، بتبنّي حزمة العقوبات وتنفيذها دون قيد أو شرط، وهذه العقوبات ليست حديثة العهد بل كانت في أوج سطوتها في عهد “ترامب” الذي أجّج جمر المواجهات لكنها لم تخمد بانتهاء رئاسته الصاخبة بل تركها خلفه تختبىء تحت الرماد الذي يتحفّظ عليه المحافظون خشيةً من هبوب رياحٍ مفاجئة تزيح الرماد فيشتدّ أوار الجمر وتستعر المواجهات من جديد فكل شيء جائز في الحياة السياسيّة والصراعات الدائرة على السلطة وليست أية سلطة بل هي السلطة على زعامة العالم برمّته..

فهي فرصة ذهبية لأميركا أن تزدهر حياتها الاقتصادية، بعد سنتين من المعاناة والأزمات الإقتصادية بسبب الفيروس والحجر والإفلاس لكثير من الشركات، وهاهي المناسبة تفرض تَبِعَاتِها بغياب إمدادات “الطاقة” الروسية، حيث ستنشط أميركا بتصدير الغاز والنفط البديل إلى أوربا، والأهم تصريف كل الانتاج الحربي من عتاد وأسلحة الذي سيحرّك عجلة الاقتصاد بمليارات الدولات، كذلك القمح الذي يفتقده الجميع من أوكرانيا، فمن يعلم موازين الحرب، يُحسن اللعب في معايير الفرصُ فكما للحرب آثارها السلبية، يعتبر أبوغزاله أنه ثمّة آثار إيجابيّة أيضاً وخاصّة على الصعيد الإقتصادي وما أدراك ماالصعيد الإقتصادي وما يترتّب عليه من سلسلة من الحلقات المتّصلة ببعضها البعض، وإذا كانت أميركا تتحفّظ من قوّة الروس الإقتصادية بجانب أو أكثر، فإنها تحسب ألف حساب وحساب لقوّة الصين المماثلة في هذا الشأن.. علماً أن إنكلترا لم تضنّ على أميركا بالدعم والمؤازة كحليف مخلص يساندها في الضرّاء كما في السرّاء.. فقد كانت تدرك بريطانيا باكراً أن تمتين أواصرها مع أميركا أهم بالنسبة لها من بقائها ضمن الإتحاد الأوربي، الذي هو أصلاً يختلف عنها في المواقف والآراء ووجهات النظر لهذا آثرت الإنسحاب..

إذاً الغلبة اليوم كل الغلبة برأي أبوغزاله للتحالفات المتكافئة بتضامن الصين مع روسيا مقابل تحالف إنكلترا مع أميركا، ولا أحد يمكن له أن يتكهّن طبيعة الحياة كيف ستصبح في ظلّ القوى الإقتصادية الطاغية هذه..

 

خاصّ – إلّا –

You May Have Missed