الأربعاء , 18 مايو 2022

د. نزار ضاهر ولآلىء ضِفَاف النِيفا الروسية

    د. نزار ضاهر / فنان تشكيلي واكاديمي لبناني – نقيب الفنانين التشكيليين – بيروت

الاسبوع الأخير من شهر أيلول الماضي لم يكن مخيّباً للآمال كما وصفه الكثير من اللبنانيين، حين ختم مروره من غير قطرة ماء جادت بها سماء هذا الشهر الواعد كما هو مألوف.. إلا أنه شهد حدثاً مميزا للغاية بعدما أقرّت معظم الأوساط الثقافية بالإقلاع عن دورها الريادي في هذا المجال والذي كان شائعاً ويتمثّل في الكثير من التظاهرات الثقافية، بحيث لم يبق منها أي حدث يُذكر بحكم انتشار “الفيروس” اللعين المسمّى ب”الكورونا” الذي ألزم الجميع اختصار مجمل المناسبات التي تدعو إلى اللقاءات والاجتماعات والتقارب والحشد بحكم مراعاة الظروف، تفادياً لكافة الاحتمالات اللامرغوبة، أضف إلى الأزمات الاقتصادية التي تعاقبت على لبنان والعالم، إلا أنها كانت أكثر شراسة و فتكا بالمجتمع اللبناني الذي شهد تدهوراً كبيراً على أكثر من صعيد زاد من تعقيد الأمور، وقد أرخى بظلاله القاتمة على المشهد الثقافي عموما في لبنان، فلا معرض كتاب، ولا مسرح، ولا مهرجانات، ولا ندوات، ولا أمسيات، ولا شيء سوى الانتظار المملّ، والترديّ المريع..

في غمرة هذه الحقائق المؤلمة، كانت ندوة “المركز الثقافي الروسي” والذي اعتمد مؤخراً لقب “البيت الثقافي الروسي” وذلك حسب رغبة مدير هذا البيت السيد “فاديم زايتشكوف” الذي يشعر بالانتماء إلى المجتمع اللبناني رغم كل الأزمات التي يعلمها جيداً وهو يتكلم العربية بطلاقة وبأسلوب لافت ومحبب جداً..

صورة جامعة لبعض الوجوه المشاركة في الاحتفال بإصدار الدكتور نزار ضاهر

طبعا هذا الحدث الهام كان بحضور سعادة السفير الروسي” الكسندر روداكوف”، ووزير الثقافة اللبنانية د. محمد المرتضى، ورئيس الجامعة العربية د. عمرو جلال العدوي، وبمشاركة مميزة 

الدكتوره فاديا كيوان بانتظار نسختها الموقعه من الدكتور نزار ضاهر صاحب الإصدار والتظاهرة

للدكتورة فاديه كيوان، التي كان لها مداخلة قيّمة جداً ارتجلتها كما فعل كل من سعادة السفير الروسي ومعالي وزير الثقافة وحضرة رئيس الجامعة العربية، وكل هذا اللفيف الراقي كان بإدارة الدكتور “طوني معلوف” الذي تمكن بإسلوبه الدمث اللطيف من إرضاء كامل الحضور، وكان مسك الختام مع محور اللقاء وصاحب المناسبة الدكتور الفنان التشكيلي اللبناني “نزار ضاهر” نقيب الفنانين التشكيليين اللبنانيين..

تحدث الدكتور نزار ضاهر بكثير من الحب و الوفاء لذاكرته وذكرياته التي تشكّلت في مرحلة دراسته وانطلاقته الاولى في “الاتحاد السوفيتي” الذي أصبح اسمه اليوم “روسيا”.. والدكتور نزار لم يتمحور حول ذاته احتراما لنرجسية الفنان الذي يسكن أعماقه كغيره من الفنانين الذين لا يمكنهم ان يغادروا ذواتهم او ان يشيدوا بغيرهم من الفنانين بل يذهب الكثير إلى أبعد من ذلك باعتماد اسلوب التهميش او الإقصاء أو التبخيس من قيمة الآخر، بينما الدكتور نزار لم يكتف بالإشادة بتجارب الفن الروسي بل أصدر مؤلفاً حول التجربة التشكيلية الروسية لشابات وشباب تتراوح تجاربهم بقدر نتاجاتهم الفنية من منظار التعريف والتقديم الذي آثر الدكتور نزار ضاهر توثيقه كمادة فنية ولم يجنح إلى تقديم آرائه كمادة نقديّة تساهم في تشريح او تجريح او تبخير او تسطيح للتجارب الروسية العديدة بل قدّم المجموعة بحياد واحترام وحرص وتقدير تام، في طبعة أنيقة جداً ملونه بعض الشيء ومكلفة دون ريب، على الرغم من الظروف الاقتصادية الضارية التي تعصف بلبنان وبجميع فئات المجتمع اللبناني، وكان مسرح البيت الثقافي الروسي يعج بالحضور نسبياً في عزّ شحّ توفّر مادة البنزين الامر الذي أعاق الكثير من سكان المناطق البعيدة عن الحضور، والجميل في هذه التظاهرة داخل البيت الروسي الذي كان عامراً بالحركة والحيوية والأضواء، تمكّنه من حجب المشهد المأساوي الذي تعيشه مدينة بيروت الغارقة في عتمة ما بعد غياب الشمس، فطريق الذهاب كان يؤنسه ضوء الغروب بشكل لطيف، لكن طريق العودة على الرغم من قصر المسافة بين سكني وبين مقر البيت الروسي كان مريعا حيث ندرة الحركة في الشوارع، وانعدام الرقابة بجميع أوجهها، وسطوة العتمة حتى على شارات المرور فبدا الطريق واجماً، قفراً، مخيفاً، ولا شيء يحثّ الخطى سوى الرهبة الضارية..

ورغم كل الافكار المأزومة ظلّت ملامح تلك السهرة الراقية في البيت الثقافي الروسي تبدد كل الوساوس والهواجس المزعجة، إذ توسمنا خيرا في ذاك الحيّز الخارج عن نطاق التردي والتقهقر العام، بقليل من الجهود وقليل من الإرادة والعزيمة والاخلاص، وبدا أنه بوسع بيروت أن تستعيد دورها الثقافي الرائد وموقعها الأجمل في قلب التميز على جميع الأصعدة.. وكما استطاع د. نزار ضاهر ان يلتقط لآلىء ضِفّاف نهر “النيفا” الروسية، فلا شك أن لبنان هو درّة المتوسط كما كان دوما ولا يزال.

خاص – إلا –