الأربعاء , 18 مايو 2022

حبر صافي

محمد حسن الألفي/ كاتب وروائي وأكاديمي مصري – القاهرة.

الملاك الذي في حياتي
لا يعرف الحب إلا من حصل على البركة.. لا يتنسم نسائم الملائكة إلا من منحه الله ملاكا. . لا يتذوّق حلاوة البراءة إلا من وهبه الله روحا بريئة طاهرة يرعاها ويحمده عليها.

لعلي من بين قليلين ممن منحهم الله أطفالا من ذوي الهمم ، تأثروا ، وأدركوا وفهموا، فطفرتْ الدموع من عيونهم، وفاضتْ بقلوبهم، إذ رأينا الأولاد والبنات من ذوي الهمم يحفّون بأنوار ملامحهم البريئة رئيس البلاد، فرحين به، مطمئنين معه، ممتنين له . بالأحرى كان هو الفرحان. . كان هو الممتن. . كان هو المطمئن..

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يكرم عشرات من أصحاب الهمم باحتفالية كبيرة لم يعرف لها مثيل في تاريخ القيادات العربية

كانوا يحادثون رئيس البلاد بكل التوقير والاحترام والشجاعة والمودة . وكان يجد نفسه فيهم، عادت طفولته، فرحته، ذلك الإحساس الرائع بأنك في حضرة خلق من خلق الله في اكتمال اختباره … في اكتمال الاتعاظ . . في اكتمال القبول .

حين ولد ابني شريف، “روحي” ، وأطلعني الطبيب على حالته… تلقيتُ أكبر صدمة في حياتي، رغم قراءاتي الغزيرة، لم أكن أعرف، وجها لوجه، ما معنى أن يكون لك ولد Down Syndrome
بكيتُ بوجع، وانحدرتْ مني دموع غزيرة، ومشيتُ في الطريق، ورحتُ أسال ربّي سبحانه، وأعاتبه سبحانه، وكلّي وَجَل على وَجَل: لماذا أنا ؟ لماذا أنا ؟ …
لم يخطر ببالي قط أن أكون من المختارين أبا لملاك. بينما أنا في إجهاشي وحدي ، محدّثاً نفسي، وجدتنى استرجع. .. وأنيب .. وأردد في قبول ورضا : طب الحمد لله … الحمد لله . ورضيت نفسي … وامتثلت.
مع الأيام ومع السنين ، ومع مجهود رهيب عصيب ، من العائلة كلها ، واحتضان ورعاية ، تراه ينضج أمامك ، ويكبر ، ويبتسم ويشاكس ، ويعاند ، ويرهقك ويمسح تعبك بطبطبة منه على ظهرك وأنت محنيّ تربط حذاءه أو تلبسه بنطلونه أو تمسح رجليه ، وحين تخاطبه ، وانت المتحدث المتدفق ، تتعلق عيناك بشفتيه وبلسانه ، يحاول أن يجمع شتات الحروف ونثارها … لينطق فما ينطق . يا ربي ! ياربي ! ياربي !
تلك لوعة في القلب. تلك وخزة في النفس ، لا يلقاها الإ من كان لديه ملاكا في بيته. اللجوء الى فضيلة التسليم والاسلام والقبول ، يعفيك سريعا من التنهيدة الحارقة. مع الوقت ، بدأت مخارج الألفاظ تنمو … قليلة لكنها ، كانت تكفي لبناء ونطق جملة واحدة من أجمل الكلمات ، وأروع المعاني : بابا حبيبي حم حس.. آفى . يقصد محمد حسن .. ألفى …
ثم مع الآذان يكرر : محم رسول الله … ينطق الله كاملة… ورسول كاملة مع ثقل ملحوظ …
انت أنت حبيبي يا شريف … أنت عطاء ربي لي وبركة عمري وسر ما منحني الله من قدرة وصبر وخير .
مع السنين أدركت أن الله يمنح الطيبين هؤلاء الأبرار. يعلم الله الأب المسئول … الحنون … ليودعه أجمل ودائعه .. البراءة والطهارة.
إن شريف ابني وملايين مثله في العالم هم أحباب الله…. وكل أب يرعى الله في أحبابه هو قريب من عطاءات الله وفيها… هؤلاء لا يحصلون من الدنيا إلا على النذر اليسير.. لا يتزوجون… لا يعرفون مباهج ومسرات كثيرة إلا ما أعطاها الله لهم … من ذويهم .. لكنه سبحانه منحهم نعمة الرضا… نعمة الرضا ، بدونها يكون الطمع والجشع والأنانية وقود الحروب والفساد والغيرة والرغبة في الاستحواذ.
الحمد الله علي نعمة ابني شريف ، منحة ربانية ، والحمد الله على إخوته كلهم…
أحبك ياالله.. منحتنى وديعتك وأنا أمين عليها أرعاها حتى آخر نفس في عمري .

المصدر : مصراوي