الأحد , 20 سبتمبر 2020

طلال أبو غزالة – أصلحوا النظام تصلح النتائج

غادا فؤاد السمّان / كاتبه وشاعرة سورية – بيروت

عندما نقول “طلال أبو غزاله ” هذا يعني أننا نتحدّث عن شخصيّةٍ محوريّةٍ بكل مافي الكلمة من معنى، سواء كان هذا الحديث من قريب أو بعيد.. يعني أننا نتحدّث عن استثناءٍ بمفهومِ الخبرة بشكلٍ أو بآخر.. يعني أننا نتحدّث عن صناعةِ النجاحٍ المتقنةٍ والمُبْهِرَةٍ في آن، وهنا تتداخل السطور ببعضها البعض بل تكاد تتصادم في هذه المحطّة حصراً، إذ كيف نقدّم الأولوية للمتحدّث على حساب الحديث، في الوقت عينه الذي ندركُ فيه تماماً أهميّة تقديم الحديث ك-حدثٍ – جعل منه -المُتحدّث – أولويّة الأولويات، الأمر الذي اضطّره وكما لاحظنا في البث المباشر لبرنامجه المُتلفز “العالم إلى أين ؟! ” من حلقة الأسبوع الأول لشهر “أغسطس ” 2020 على شاشة -RT – الروسيّة، والتي أعقبت التفجير الكارثي في مرفأ بيروت بأربعة أيام فقط، كيف دخل طلال أبو غزاله الاستديو دخولَ محاربٍ قديم، بجاهزيّةِ المحبّ الحقيقي القصوى، مدجّجاً بالصدق أولاً، متمترساً خلف التواضع الشاهق والبساطة المطلقة، حين أفصح صاحب “جمهورية ” أبو غزالة الدولية، بتوصيف حَرفِيّ دقيق: لا لُبْسَ فيه ولا إبهام ولا تهويم..

وهنا يطيب لي كمتابعة للحلقة بمحض الصدفة أن أدوّن مارسخ في البال دون العودة ثانية للحلقة، إذ أجزم أنها لم تكن مجرّد متابعة لخطابٍ متلفز، بل كانت جلسة حفر في الوجدان، حتى فاض الحرف هنا رغماً عن الذهول والصدمة والدموع..

حيث يقول طلال أبو غزالة فيما أذكر وأتذكّر الآن فجأة وبعد مضي ثلاثة أيام بلياليها على بثّ الحلقة، وبمطلعٍ حرفيّ “أنا أحبّ لبنان.. لبنان كان بلدي حين دخلته -لاجئاً -” وهنا تتراكم الدهشة كغيمة كبيرة تهطل بتداعياتٍ تستنبتُ الأصداء وتسنبطها لتعيد الإخضرار إلى واقعنا المجتمعي الوطني المتصحّر وأترك للقلم حريّة الإسهاب..

“أنا أحبّ لبنان، لبنان كان بلدي حين دخلته -لاجئاً – أدين له بفرح الطفولة التي لم أخسرها فيه كفلسطيني خسر وطنه كلّه، أدين له بتعليمي عبر كل المراحل الدراسيّة حتى إنهاء الإختصاص الجامعي، أدين له بحياتي الإجتماعية، بصداقاتي الفكرية والسياسيّة، بذكرياتي، بتأسس مؤسسة -طلال أبو غزالة – التي انطلقتْ من بيروت وأصبحتْ في معظم أنحاء العالم، لهذا كلّه أنا اليوم حزين، على ما أصاب بيروت عشقي الأول، مفجوع ككل مُصَابٍ في المَصَاب الكارثي الأليم الذي زلزل بيروت والذي أودى بعشرات الضحايا، وآلاف الجرحى وما لا أعلم كم وكم من المفقودين، وبقدر حزني على بيروت بل على لبنان كلّه، أؤمن تماماً أنه لا بدّ من -الانتصار على الإنكسار- وأكرر وأؤكد لا بدّ من الانتصار على الإنكسار، فلو عدنا إلى التاريخ لأدركنا، أنّ الكوارث بوابة لا شكّ موجعة للعبور لكنها للأحسن قطعاً حسب الأعراف بتقديريها النظري والعملي، وخير دليل على ذلك “ألمانيا ” التي دمّرتها الحرب العالمية، لكنها لم تستسلم لحزنها بل تحاملت على نفسها وأصبحث بفضل عزيمتها ليس بأفضل من السابق وحسب، بل من أفضل الدول الأوربيّة وبأقوى الاقتصاد والصناعات، ومثلها اليابان التي عانت ما عانته إثر القنبلة النووية على “هيروشيما، وناكازاكي” وكلّنا نعلم أن اليابان اليوم ليست مجرّد بلد ناجح وحسب بل كوكب قائم بحدّ ذاته لما لديه من تقدّم تكنولوجي هائل، ولما فيه من صناعات ثقيلة، وكما نعلم مقولة الضربة التي لا تقتلك تقويّك، ولبنان بعد حرب ال 75 الأهلية عاد سيداً قويّاً، وبعد حرب تموز عاد أقوى، وبعد هذه الضربة الكارثة حتماً سيكون أقوى وأقوى، وأنا أراهن على رأييّ هذا، فلبنان قويّ بشعبه، قويّ بحبّه، قويّ بحيويّته، قويّ بجماله، بأدمغته، بعلاقاته، بحضوره عبر كل القارات، فكم شخصية لبنانية تبوّأت المراكز الأولى في السياسة والسلطة والاقتصاد، لبنان طاقة، بل كتلة هائلة من الطاقة الإيجابيّة الخلّاقة التي لا يمكن تدميرها، طاقة جبارة بشبابه وشاباته، وهنا مربض الفرس، فالشعار المُتداول “كلن يعني كلّن ” ينبغي إعادة النظر فيه، فالتعميم إثم كبير يُحاسب عليه القانون في الدول المتقدمة، ويجب ألا ننسى أنه ثمّة رجالات قيادة أسست في لبنان لمفهوم السيادة والاستقلال، وكانت عنواناً في الشرف والنزاهة والوطنية، وبعضها لا يزال حيّاً يرزق مثالهم الرئيس السابق – د. سليم الحصّ – الذي يشهد لبنان بل كل لبنان على طيب السمعة وطيب المسلك ونزاهة المواقف ونظافة الكفّ خلال رئاسة مجلس الوزراء وما بعده حتى يومنا هذا، فلم يسخّر يوماً وجاهته للاستثمار سواء في لبنان أو خارجه، لهذا ينبغي تفادي الوقوع في خطأ التعميم الفادح، لبنان اليوم مكلوم وجريح، ولابد من إصلاح عاجل في النظام كي تصلح النتائج.”

أحب لبنان
د. طلال أبو غزالة

وهنا أقف طويلاً عند متن هذه الجملة البليغة الموجزة المعبّرة لطلال أبو غزالة، وبكل ما ينبغي أن يتداوله أرباب السلطة في لبنان فعلياً وفي السريع العاجل وليس الآجل كالعادة “أصلح النظام تصلح النتائج “..

لكنّ إصلاح النظام لا يمكن أن يكون بتدخل خارجيّ مغرض سافر، وسوريا خير دليل وقد أصبحت بقايا وطن، لشعب ممزّق ومشتت وتائه، وأرض محررة علناً مسلوبة ضمناً ولثروات مهدورة على مرأى ومرمى شعب يتضوّر جوعاً وفقراً وألماً ويأساً ونكايات، فهل المطلوب تكرار المشهد السوري في لبنان، هل المطلوب الإجهاز على كامل أنفاسه بتدخل خارجي، هل نضب لبنان من الرجالات القادرة على الإصلاح فعلاً، لماذا لا يطالب الشعب با ابن الشعب البار “نجاح واكيم ” الذي لطالما كان يصرخ من صميم كل مواطن ليتلافى الانهيار، لماذا لا يطالب الناس با ابن الناس البعيد عن التعصّب والتحزّب والإنحيازات “جان عبيد ” ليكون له الكلمة الفيصل لإنقاذ لبنان قبل فوات الأوان، لماذا لا تعطي بيروت دوراً مسؤولا لابن المسؤولية السياسية العتيدة “كمال شاتيلا “، ولماذا لا يستعيد الشارع وزيره السابق “زياد بارود ” ليستعيد اعتداله واتزانه وسلامه، ولا ننسى الدور الأهم للإعلاميين الغيورين والحريصين على عزّ الوطن مثل د. زياد نجيم المثقّف الثائر الوطني الحرّ وغيرهم الكثير ولو أردت إدراج جميع الأسماء لما انتهيت من هذه المقالة.

لبنان وجميعنا يعلم لم تتجلّ ثرواته على الصعيد الاقتصادي الفعلي بعد لا بالغاز ولا بالنفط ولا حتى بالحشيشة المشرّعة لأغراض طبية والتي اندسّت في جميع جيوب الجيل الحالي الجامعي قبل الجيل المهني العامل بإناثه وذكوره على حدّ سواء وما من حسيب أو رقيب، ورغم كل إفلاسه المادي والمعوي إلا أنه لا يزال غنيّاً برجالاته الذين ذكرتهم أعلاه وغيرهم كثر، ممن بوسعهم أن يضعوا لبنان نصب أعينهم، وليس نصب أرصدتهم كما تشهد المصارف الغربية قبل اللبنانية.

الإجتماعات الحقيقيّة للإصلاح ينبغي أن تستدعي هؤلاء ومن كان مثلهم، وربما هم أنفسهم بوسعهم أن يتكفّلوا باستقطاب الغيورين على الوطن، وفي مقدمهم الرئيس الدكتور سليم الحصّ الذي بلغ من الخبرة والتجربة والعمر والسياسة عتيّاً، ربما لم تساعده أوصاله لدخول المعترك السياسي بقدميه، لكن بوسعه أن يدخل المعترك بذهنه وفكره وحكمته، فسارعوا إلى التغيير والإصلاح الذي لم يعد يحتمل التأجيل لأي سجال تسياسي تحاصصي تحازبي تمذهمبي عقيم حتى وإن دخل غرفة الإنعاش أو العناية الفائقة، كل ما يحتاجه لبنان جرعة صدق مع الذات، وحفنة من لهفة كل من جئت على ذِكرِه في هذا المقام والمقال.

خاصّ – إلّا –

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*