الخميس , 23 يناير 2020

إلى خليل حاوي.. وعنه

د. وجيه فانوس / أديب وأكاديمي لبناني – دكتوراه في النَّقد الأدبي من جامعة أكسفورد – رئيس المركز الثقافي الإسلامي – عضو المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان – أستاذ النقد الأدبي في قسم الدِّراسات العليا في جامعة بيروت العربيَّة أستاذ في المعهد العالي للدكتوراه في الآداب والعلوم الإنسانيَّة في الجامعة اللبنانيَّة..

 

“يا مْعَلّمِي”..

وكم كنَّا، ونحن طلاَّبُكَ في “كليَّة التَّربية” في “الجامعة اللبنانيَّة”، نسعدُ، إذ بها تُخاطبُ الواحدَ منَّا؛ وكم كُنَّا نزهو إذ نرى صفاءَ المودَّةِ وقد غلَّفَ ومضاتَ الحزمِ التي طالما كانت تكتنفُ هذه المناداة.

وكم كُنَّا، نرى ذلكَ البريقَ الفذَّ يومضِ في عينيكَ، وأنت تَلْحَظُ فرحة زميلاتنا وقد ناديت إحداهُنَّ بـ”يا مْعَلِّمْتِي”!

ها نحنُ اليومَ، يا معلِّمي الرائع، في “شُوَيْرِكَ” ومع ناسها وأهلِكَ وقادري عطائكَ ومعاناتِكَ؛ حيثُ انطلقتَ، في مطلعِ العُمرِ وريعان الفتوَّة، إلى رحاب النَّهضة، مؤمناً بفكرِ “الزَّعيمِ” وقولِهِ وعملِهِ؛ فكنتَ، في انطلاقكَ هذا، مِن خيرةِ المؤمنينَ ومن القادةِ الأمناءِ المرشدين، كما كنتَ رائداً من كبارِ روَّادِ الحرَّاس الصَّامدين.

ثمَّ كانَ ما كانَ مِنْ أمرِ استشهاد “الزَّعيمِ”؛ وكانَ أن ارتأيتَ، مع سواكَ، أن تُتابعَ انطلاقكَ في دروبِ النَّهضةِ بتجربتكَ الخاصَّةِ واجتهادِكَ الذَّاتي.

أذكرُ أنَّ ما درسناهُ معكَ، من شؤونِ النَّقد الأدبيِّ في الجامعة، لمْ يكن ليخرجَ، في كثيرٍ من طروحاته، عن ما قالَ بهِ “الزَّعيمُ” في رحاب الرُّؤيةِ الأدبيَّةِ ومجالاتِ فاعليَّتِها في النَّهضة.

وأرى كم كُنتَ، في كلِّ ما أعطيتَ وأبدعتَ مِنْ شِعرٍ وحياةٍ، ذلكَ الشَّاعرَ الذي نَظَّرَ “الزَّعيمُ” أنَّ مِنْ أسّسِ وجودهِ أن يحيا الأمَّةَ، فيعيشَ وجدانها، ويتألمَ لألمها، ويعبِّرَ عن وجودها، ويصبو إلى سُمُوِّها.

وكانت لكَ، تالياً، مرحلةُ ربطٍ ذاتيٍّ لما هو نهضويٌّ بما هو حضاريٌّ سياسيٌّ؛ فوجدتَ في العروبةِ مبتغاكَ، ورأيتَ في السِّعيِّ في مناكبِ تَحَضُّرِ ناسِها ورُقيِّ وجودهم وتحقيقِ وحدتهم مبتغاك.

فقدَّمتَ ذاتكَ وجوهرَ وجودك، وجميعَ ما في عَيْشِكَ، وبكلِّ إصرارٍ منكَ، جِسْراً يعبرُ عليهِ أبناءُ الأمَّةِ خفافاً، من كهوفِ الشَّرقِ، مِنْ مُسْتَنْقَعِ الشَّر قِ، إلى الشَّرقِ الجديد.

اعتزلتَ النَّاس، في سنة 1963، وغبتَ عن يوميَّاتهم؛ وأنتَ مَن أخبرني مباشرةً أنَّ عزلتك هذه طالت لأكثرَ من ثلاثة أسابيع، كنتَ فيها منقطعاً عن كل شيئٍ، من طعامٍ وشرابٍ وناسٍ وأخبارٍ، بل ومنقطعاً حتَّى عن نفسك، إذ كُنْتَ “تضع” “اللَّعازر 1963″، وحياً يَنْصّبُّ عليكَ، فلا تستطيعَ معهُ إلاَّ انقياداً.

ولا أنسى ما أخبرتني به، مِنْ أنَّكَ أُصبتَ بما يُشبهُ الرُّعبَ لحظةَ نظرتَ إلى وجهكَ في المرآةِ بعدَ انتهائكَ من وضعِ “اللَّعازر 1963”: لِحيةٌ طويلةٌ، شَعرٌ أشعثٌ وعينانِ حمراوانِ، في وجهٍ شديدِ الهزالِ عظيمِ الشُّحوب.

صرختَ في “اللَّعازر 1963” أن عمِّقِ الحفرةَ يا حفَّار، عمِّقها لقاعٍ لا قرار”؛ وعرفنا سنة 1967، أنَّكَ كنتَ ترى، في سنة 1963، مصائبَ الوجعِ المرعبِ الذي حلَّ بنا منذ سنة 1967، وما بعدها وإلى اليوم.

قيل إنَّكَ انتحرتَ، في التَّاسع من حزيران 2008، وقيل إنَّك نظمت القصيدة الأخيرة لك. 

نتيجة بحث الصور عن خليل حاوي

الشاعر اللبناني الراحل خليل حاوي 31/12/1919 – 7/6/1982

يا معلمي..

لقد أمضيتُ عمراً من عمري، وأنا أدرُس عليكَ وأتعلَّم منكَ، أكان في قاعاتِ الجامعةِ أو في مكتوباتِكَ ودراساتِكَ أو في لقاءاتِنا الخاصَّة. ويامعلِّمي، لقد أمضيتُ حياةً من حياتي، وأنا أقرأُ في شِعرك، وأقدِّمُ ما تسنَّى لي منهُ وعنهً في محاضراتٍ جامعيَّةٍ وندواتٍ ثقافيَّةٍ ومؤتمراتٍ دوليَّةٍ ومقابلاتٍ إعلاميَّةٍ وعِلميَّةٍ، وكنتُ في كلِّ هذا تلميذاً لكَ ومِن عيالِ آرائكَ وناشري أفكارِكَ والمتأثِّرينَ بتجربتِكَ؛ لكن يبقى سؤالٌ، هل كانتِ تلكَ الليلةُ الأخيرةُ، ليلة التَّاسعِ من حزيران سنة 1982، الليلةُ التي اخترقَ فيها الرَّصاصُ جبهتكَ واستقرَّ عند صَدْغِكَ، هي الأُخرى قصيدة تتنبَّأ فيها بواقعٍ سنعيشه، كما كان حالُك في “اللعازر 1963″؟

يا مْعَلّمي..

اعتدنا أن نأتي إليك، في ما نظنه، ويظنونه، ذكرى رحيلك

اعتدنا أن نزور الإِطْلال، من خلالكَ،

وأن نطل، على تلك الدنيا التي عشتَ العمر تعلّمنا كيف يمكن أن نعيشها.

اعتدنا، ومنذ سبع وثلاثين سنة، أن يُؤذَّنَّ فينا “أن هبُّوا إلى اللقاء”

واعتدنا أن نلبي نداء الصلاة،

نجتمعَ من جديد للوقوف في محرابك.

اعتدنا أن نعرف أننا نعود إليك،

نقف في رحابك،

نتذكر كثيراً، من أيَّامنا التي كانت معك،

نتذاكر كثيراً، في آمالنا التي نشأت من خلالك،

ونتلوا الشعر،

 شعرك.

نتيجة بحث الصور عن خليل حاوي

اعتدنا أن نحكي عنك، لهم،

واعتادوا أنَّهم يسمعون، ينفعلون، يعجبون،

ثم نغادر جميعا مكان الحكي،

كلٌّ إلى سبيل له، كاد يحفظه عن ظهر قلب.

وَاعتدنا أن نطوي سجَّادة صلاة اللقاء،

وننتظر أن نفتحها في الموسم الجديد

وقت ينبعث منَّا من سيصدح بأذانك.

اعتدنا أنك قررت مغادرتنا، يوم كان الدم ناراً تحرق، تحطِّم، تذيب وتلاشي

واعتدنا أنك طالما حلمتَ بالنَّار تصهر، تعيد الخلق خلقا جديد

واعتدنا أنك كنت مذبوحاً في ذلك اليوم

كنت مقتولاً في ذلك اليوم

كنت مجنونا في ذلك اليوم

كنت الفجيعة، والوجع،

كنتَ الحنجرة الرافضة لقيد من جنازير دبابات صهيون.

واعتدنا أن نحكي، فيما بعد،

بعد أن مسحنا دموع لوعة الخبر،

خبرَ بندقية الصَّيد، وجحيم ذلك البارود الذي استقرَّ ما بين الجبهة والصدغ،

هل أن قرارك بالمغادرة كان حكيماً،

أو أنَّه كان قصيدة جديدة.

ويحنا،

ويحنا،

وويحهم،

وبتعبيرك المعهود: “باطل الأباطيل”

باطلُ الأباطيلِ

كلُّ ما اعتدناه،

وباطل الأباطيل كلُّ ما كان.

فجيعة النَّفس، التي تعرفك حقَّاً،  في ذاتها، أن تعتقد أنَّ خليل حاوي قد مات،

أو انتحر،

أو قرَّر الرحيل،

نتيجة بحث الصور عن خليل حاوي

أو، حتَّى، اختفى

أو إنه  كتب القصيدة الأخيرة لحظة انتفض، مضرَّجاً بذلك الوجع القاني

الذي تناثر أحمر اللون، قرب الياسمينة الخضراء المزهرَّة بنجومها البيض،

على شرفة ذلك البيت في شارع المكحول؛

مُشَكّلاً، بصدق فجيعتهِ، علمه الخاص به، وبه وحده، للبنان.

غَبَاءٌ كَبِيــر،

وهم أسود كبير،

فجيعة أعظم من تلك التي كانت، غروبذاك، عند “مثلث خلدة”، متسربلة بدبابات بني صهيون؛

أن نعتقد أننا سنعود،

لنُحيي الذكرى،

لنتلوا الشعر،

ثم نطوي الديوان،

ونناقش بعضاً متهافتاً من مكتشفاتنا، ومكتشفاتهم،

كأن عرفنا، أو عرفوا، ما كنتَ تَعَشَيْتَهُ في ذلك المساء،

أو كيفَّ تنهَّدت مرَّة لواحدة في الخفاء،

أو إنك، يوم زرت صديقاً لك، قعدت على هذا الكرسي في تلك الزاوية وليس على سواه.

لعلَّه

أُشْكِلَ علينا،

كما لعله قد أُشْكِلَ عليهم،

بذلك التجسِّد السَّاطع والرائع لحضورك

إنساناً يعيش الشعر نظماً ومعاناة،

إنساناً، يسمع نبض الوجود ويستلهمه رؤى تنير الدرب إلى حضارة رُقِيٍّ وعِزّ،

إنسانا، يخترق أسوار العبودية، يهدمها، وينشر جناحيه عربدة فرح بإنسانيته،

إنساناً يمارس الوجود الأكاديمي ساحة إبداع وتنوير، 

إنساناً يحتقر تلك الشًّكليات الَّتي قد يعمد بعض ناسِ الإدارة الأكاديميَّةِ في الجامعة إليها، ويرى أنَّ أحداً لن يجد تلك الشَّكليات، التي اضْطُرِرْتَ إلى عيشها مع هؤلاء، إلا في ملحقٍ لهامشٍ قد يسطِّره لسيرة حياتكَ باحثٌ مهووسٌ بدقَّةٍ هي لزوم ما لا يلزم

فظنَّنا جميعاً إنك رحلت

انتهيت

وإننا فقدناك

لعلَّ تجسُّدك في الإنسان، الذي عرفناه منك، قد طغى على جوهر لاهوتك، الذي عشتنا به؛

فإذا ما كان لتجسدك الإنساني أن يغيب، ولا بد له، أن يغيب،

فإنَّنا خلنا، كما خالوا، أنك غبت

واعتدنا أن نكون متذكِّرين

ولشعرك ومعاناتك مرتّلين

وكثيراً ما كنَّا، كما كانوا، في خضم التلاوة، ننسى القراءة

نتيجة بحث الصور عن خليل حاوي

وويحنا

فأنت لم تغب،

 بل ما برح الحضور قويا

لكن هو البصر زاغ،

والنظر عَشِي،

والبصيرة أصابها غُبارُ فواجع الزَّمن،

حطَّ عليها كثير من ورق اليأس المتساقط من شجر العيش المذل،

فغابت عنها الرؤية

وإذ العين تنظر كثرة الزاحفين، باستسلام الذليل، أمام جنازير تلك الدبابات التي مرَّت ذات يوم عند “مثلث خلدة”

ومن غصة معاناتنا، إذ الأكاديميا كثير من عبث، وقليل من جدوى العطاء

ومن حشرجة شموخنا، إذ الهوية في خطر، وحقيقة التاريخ والإنسان فينا تواجه دفعاً

لَئيِمــاً مؤلما نحو هاوية التشويه والتزوير

ومن وجع صفحات كتبنا ومجلاتنا وصحفنا، إذ عاد كثيرون إلى أن يكونوا من الغاويين، الذين يكتبون وينظمون ما لا يفعلون وماليس به يؤمنون

أَمَا الرؤيا،

تلك التي كانت منارتك،

فإليها نمدُّ أصابعنا

نتلمس حضورك فيها وبها،

ونؤكِّد لأنفسنا، قبل أن نؤكِّد للآخرين، أن وجودك نابض بالحياة

مشتعلٌ بالعطاء

وما برح، بتأجج بَرَكَةِ ناره، يُطهِّر ما كان

ويذيب ويصهر،

بصدق إيمانه وعبقرية هذا الإيمان،

لينشأ من جديد

 فرخ النسر

 الذي طالما بشَّرت به.

نؤكِّد لذواتنا، أنك ما برحت وجودا أساسا في حياتنا

وأنك ما زلت وجودا مطلوبا لتحقيق وجودنا الذي نطمح إليه.

ونعود إليك؛

لكن، هل حقَّاً غادرناك حتى نعود؟

هل فعلاً تركناك حتى نرجع؟

هل ابتعدت عنَّا، لتكون بيننا المسافات؟

هل اعترفنا، في لا وعينا، ولو لمرة واحدة أنك بعيد عنا، وذهبنا نزور حيث دفن ذلك الجسد الذي ظهر بعض وجودك به؟

لم نزر حيث دفن الجسد، فلا حاجة بِنَا إلَيْه،

 إنَّه هباء

أما أنت، فما برحت عندنا جواباً لألف ألف سؤال،

ولأنك ما برحت الجواب، فأنت في دنيانا، ودنياهم كذلك،

بقاءٌ، بقاءٌ، بقاء

لذلك، اعترفُ، يا مْعَلّمي،

أنَّا قصَّرنا في قراءتك، وإن كُنَّا قد أكثرنا من التلاوات

وإذا التلاوة إلقاء وتشنيف، فالقراءة تحليل واستنتاج واكتساب معرفة

لذلك، أقول إنَّنا جهلناك، والجهل نأي وغربة وعدم معرفة

لذلك أقول إنني أعود اليوم إلى قراءتك،

أعود إلى التعمق في فهمك

فما زلتَ موجوداً، وما زلتَ مجال بحث عن نهج خلاص

_________________

ألقيت في الاحتفال الوطني الذي أقيم في بلدة الشوير
مساء يوم الشت 31 آب (أغسطس)  2019،
لافتتاح شارع باسم “الدكتور خليل حاوي” وإزاحة الستار عن تمثال له في ذلك الشارع.

 

يُنشر حصرياً في – إلّا –