الثلاثاء , 25 يناير 2022

بين ثقافة الاعلام و”الجمهور عايز كدا”

Spread the love
د. نادين الأسعد شاعرة وإعلامية لبنانية

د. نادين الأسعد
شاعرة وإعلامية لبنانية

د.نادين الأسعد:

    يقولون أن الثقافة لا تدرّ مالا كما باقي البرامج الترفيهية٬ لذلك يعيش الواقع الأدبي ركوداً من جانب المادة الاعلامية التثقيفية٬ فلا ضوء يسلّط على الوجه الثقافي للمجتمع العربي ولا منارة تضيء على فكر المثقف أو المتلقي ولا أحد يكترث٬ وأنا التي عملت لسنوات عديدة على آخر النشاطات والمستجدات التي تطرح في الساحة الثقافة العربية٬ كتناول مواضيع فكرية وطرحها للمناقشة٬ وعرض الكتب الجديدة ومحاورة أصحابها٬ وتخصيص برامج كاملة للبحث في قضايا الثقافة والمثقف٬ إلا أن أصحاب المحطات حكموا على الثقافة أنها بالكاد تطعم خبزا وملحا، بينما في برامج الرقص والهواة والهذر والخلاعة يضمنون العسل واللوز٬ ناهيك عن مسلسلات الدبلجة وبرامج الغناء التي تثمر بالدجاج المحّمر وبكل ما هو شهي، ذلك لأّن القنوات العربيه تعتمد سياسة “الهشك بشّك ” التي برأيها هي وحدها الطريقة الأسهل والأنجع للربح المادي السريع وهي وحدها التي تشفي غليل المعلنين وترضي تطلعاتهم.

    انا لست ضد هذه البرامج ولست بصدد منعها او مهاجمتها لكنني ضد التعتيم على الفكر لأنه وباختصار إن المواهب العربية لا تتلخّص وحسب في الأصوات والأجساد بل تتخطاها إلى أبعد من ذلك باعتبار أن الفن هو أحد الأوجه السامية للثقافة ويكاد يكون هو الوسيلة الوحيدة لارتقاء الشعوب٬ فأين هي البرامج الاكتشافية للمواهب الأخرى٬ والتي تكمل الصورة الإبداعية العربية كالرسم٬ والشعر والأدب٬ والاختراع العلمي٬ والتميّز الفكري… وغيره خطورة هذا الموضوع ان العائلة التي تلتف حول التلفزيون الذي يدخل مختلف البيوت العربية بمختلف مستوياتها الثقافية٬ الأخلاقية والدينية يقوم بفرز هؤلاء الناس وتصنيفهم في الدائرة التي يراها مناسبة بحسب البرنامج الذي يقدمه لهم٬ حيث تضج الساحة الإعلامية اليوم بالمواهب الصوتية مستعملة في الترويج لذلك وجوها معروفة٬ ونجوما لها ثقلها الفني والإعلامي٬ وبالتالي تعمل هذه البرامج على إثبات أن كل هذه المجتمعات العربية من مشرقها إلى مغربها ينصبّ اهتمامها فقط على تتبّع المواد التي يفرضها التلفزيون على المشاهد وهي برامج الترفيه. لكن لماذا لا تكون الثقافة ترفيها ايضا؟ يتذرّع هؤلاء دائما ان هذه البرامج الترفيهية هي الأكثر مشاهدة٬ حيث أصبحت من البرامج الأساسية على معظم القنوات التلفزيونية ٬ وهذا إن دل فهو يدل على أنها شكلت ربحا ماديا ومعنويا من خلال ارتفاع عدد المتابعين لها وهو يشكّل عاملا اساسيا لاستمراريتها٬ وهنا يطرح السؤال:

    هل البرامج التثقيفية شبه معدومة لانعدام مشاهديها الامر الذي أدّى إلى حذفها من برنامج القنوات العربية؟ فالمادة الإعلامية التي لا تحقق نسبة مشاهدة٬ لا تستقطب الإعلانات٬ وبالتالي ستحذف لأن “الجمهور عايز كدا”.

    برأيي أن الظروف التي يمر بها العالم العربي في السنوات الأخيرة٬ بعد الثورات والحالة الأمنية غير المستقرة في الكثير من البلدان العربية٬ تحتم على القنوات التلفزيونية ضرورة إضافة المادة التثقيفية التي افضّل أن أسميها المادة التنويرية التي هي وحدها وان قّدمت بالشكل اللائق والعصري لإخراجها من نطاق ”النخبوية“ الضيق إلى رحابة أكثر جماهيرية٬ هي وحدها الدواء النافع للعقول المظلمة لرفع الرصيد المعرفي للمشاهد٬ وتوعيته وتنويره فكريا. لكن كيف يمكن للثقافة ان تصبح ترفيها؟

    ان المسؤولية عما وصل اليه الاعلام التنويري اليوم٬ يتقاسمه طرفان على السواء: وسائل الاعلام من جهة٬ والمثقفون ومؤسساتهم الثقافية الاهلية والرسمية من جهة اخرى، اذ في ما يتعلق بوسائل الاعلام ودورها٬ فإّن هناك تجاهلا وتهميشا للثقافة في مختلف وسائل الاعلام٬ المقروءة والمرئية والمسموعة والالكترونية٬ حتى أن النشر بات لا يتجاوز حدود رفع العتب .

    وفي ما يتعلق بدور المثقفين والمؤسسات الثقافية٬ فالمثقف هو الاقدر على تشخيص سبب غياب المنتج الثقافي صاحب النوعية والجودة العالية٬ والقادر على فرض نفسه بقوة في مختلف وسائل الاعلام.

    إن الخلل معظم الأحيان قد يكمن في تغطية وسائل الاعلام للشأن الثقافي الذي يعود في المقام الاول الى الصحفيين والاعلاميين غير المختصين بهذا الشأن٬ والذين هم في كثير من الحالات غير مؤهلين التأهيل الصحيح والكافي للقيام بالمهمة المرجوة٬ ألا وهي إثارة اهتمام القارئ العادي وخلق جسور بينه وبين الكتاّب والأدباء والفنانين عامة٬ وبالتالي فإن غياب البرامج الثقافية الموجودة في الشبكة البرامجية الخاصة بالاعلام٬ أفقدت ثقة المثقف فيها وغابت معها فضاءات النقاش الثقافي التي تمنح للمثقف فرصة مشاركة أفكاره مع الغير ما يسمح بإنعاش الحضور الثقافي والوعي الوطني.

    البرامج الثقافية هي رؤية للحياة ودور للوجود واستشراف للماضي والحاضر والمستقبل والخوض في تفاصيلها يجب ان يقتصر فقط على اصحاب الخلفية الثقافية والادبية التي تتيح لهم وحدهم فهم هذه التفاصيل٬ وبالتالي تبسيطها للقارئ او المشاهد٬ عندها فقط قد يتكرس واقع الاعلام الثقافي لا باعتباره اعلاما نخبويا معزولا عن الجمهور بل جسرا يصل بينه وبين الادباء والكتاب والفنانين ٬ كما واّن من ليس لديه من مؤهلات٬ يتحمل كثيرا وزر غياب القراءات التحليلية المعمّقة والتفصيلية وكذلك النقد الحقيقي للمنتج الثقافي٬ إلى جانب تغييب أصحاب الفكر المبدع والجدير عن المشهد.

    لقد اّن أوان تعزيز فرص خروج منتج ثقافي جدير يفرض نفسه على وسائل الاعلام وهو أمر لا بّد منه أولا٬ وثانيا اّن وجود صحفيين متخصصين هو أمر أساسي لانتشار المادة الثقافية بالشكل الذي يتماشي مع العصر ومتطلباته٬ وعند اجتماع هذه الصفات ٬عندها فقط يصير فيه الخبر الثقافي دائم الحضور على واجهات الجرائد والمجلات٬ ويحظى بصدارة في وسائل الاعلام المرئية والمسموعة والالكترونية.

*د. نادين الأسعد

*شاعرة وإعلامية لبنانية

2 تعليقان