الأحد , 25 سبتمبر 2022

مطربون أم منشدون باسم الدين..؟

عدنان أبو زيد / صحافي وكاتب عراقي – هولندا

مع بداية إحياء مراسم عاشوراء ..
المنشدون الحسينيون أضحوا بالآلاف بعد العام 2003، وجلّهم من الشباب الذي لم يتوفّر على تعليم كاف، ولم تهذّب لسانه لغة القرآن الكريم، أو حتى يجيد الطلاقة بلهجة الخطاب، كما أنه لم يصقل ذائقته علم الأصوات، ولن تستعذب روحه تلاحين التلاوات، فآل الأمر الى ما عليه من انهيار في جمالية المعاني، وأوزان الأناشيد، في فوضى سمعية عارمة، يتحول فيها المنشد إلى “مطرب فاشل”، وتُحال المناسبة المقدّسة، إلى “حفلة رقص”، ويواصلون غوغائياتهم في هبوط مطّرد إلى قرار سحيق لا نعلم من هو القادر على وقف هذه الإنزلاقات المجتمعية المفجعة.

نتيجة بحث الصور عن منشدو الحسينيات

هرج ومرج ورقص باسم الحسين لا علاقة له بالدين أو الإسلام

التقيتُ العديد من رجال دين، وقرّاء قرآن، ينتقدون أجيال المنشدين، الأميين، “المهوالين “، الممثلين، المهرجين، الذين حوّلوا المناسبات الدينية، إلى ايقاعات لا تمتّ بصلة إلى الغرض الديني الروحي، وتخلط الطرب بالنشيد الديني، حتى أنه قد تحوّلت الكثير من أغاني و”بسْتات” و ”موّالات” معروفة إلى أغاني دينية.

الجهات ذات العلاقة، الدينية ومنها الحكومية، يقع على عاتقها مسؤولية تنظيم الفعاليّات، وانتشال هذا التقليد التاريخي والارث الحسيني من أيدي الجهّال، والارتجاليين، ممّن وجدوا فيه ضالتهم في التكسّب المالي، والظهور الإعلامي والتأثير على الجمهور وتخريب ذائقته، بل وتشويه أحداث التاريخ بأوصاف وعبارات ومفردات، لا تمتّ إلى الحقيقة التاريخية بِصِلَةٍ، فضلاً عن تجاوزها الإرث الثقافي الحسيني الذي بناه منشدون من مثل حمزة الصغير، و عبد الزهرة الكعبي.

نتيجة بحث الصور عن حمزة الصغير

المنشد حمزه الصغير

مناسبات دينية مقدّسة تتحوّل إلى بيئة ديسكوية بالأضواء والأناشيد، ومنشد يقرأ على إيقاع الابوذية، والبستة، فلا هو بالغناء حتى ندرك أغراضه، ولا هو بالإنشاد الديني، حتى نصنفه على الوجهة الصحيحة، فما أن يغني الفتى الطامح إلى الشهرة، لنفسه، فيصدّقها، حتى يصعد على المنبر، متفنّنا في الحشرجة والتطويل والتقصير والنحيب والبكاء كيفما يشاء من دون قواعد إيقاع، ولا مفردات سليمة.

ربما يُعذَرُ من كان مطرباً في السابق وبات منشداً حالياً، طلباً للتكسّب والرزق، طالما أن الأمر بهذه البساطة، وطالما أنّ الجهات الدينية والحكومية المعنية، لم تضع القوانين والأنظمة التي توقف زحف هذا التلوث الصوتي على المسامع، الذي يهدم إرث الانشاد الحسيني، ويشوّه أحداث التاريخ على نحو فظيع.

صورة ذات صلة

الحاجة ملحّة لتأسيس مدرسة أكاديمية للإنشاد الديني، لاسيما الحسيني منه، يدرّس فيها التاريخ، وعلم الجماليات، والمقامات اللحنية، والذائقة الصوتية، والثقافة الاجتماعية، حتى يتخرّج منها المنشد الاكاديمي، الذي بوسعه أن يهزّ المسامع برقّةِ أدائه وإتقان مهمّته للارتقاء الإنساني بالمناسبة، فيدخل إلى القلوب بخشوع، ويثقّف الناس، بمفرداتِ قصائدهِ المُجازة بإشراف وترتيب لجان متخصّصة في هذا الشأن، ناهيك عن أهمية إتقان اللغة العربية، فمن المعيب جداً تحوير اللغة وهي شعرية فصحى كما متعارف عليه، لكن تحطيم اللغة بجميع قواعدها وصرفها ونحوها يحيل المناسبة إلى حالة استفزازية جداً لدى الضالعين في فقه اللغة من حضور وحشود، وخاصّة أن اعراق بلد مثقف ويعج بالمثقفين، ومن السليقة يمكن التنبّه لأخطاء فادحة يرتكبها المنشد في غير العراق أيضاً، فقد علمت من بعض الأصدقاء أن الكثير ممن ينشد في لبنان كذلك يرتكب هذه الأخطاء اللغوية الفادحة بحق النصّ الذي ينشده وبحق المناسبة التي يحييها وبحق الجمهور الذي يؤذي أسماعه، كما أنّ هذه المناسبة قد وُجِدَت لإحياء عقيدة دينية خالصة لا يصحّ على الإطلاق استفزاز الناس من غير طائفة، كإطلاق العناق لأصوات التسجيل على امتداد الأحياء والطرقات والحارات عبر مكبرات الصوت انطلاقا من الحسينيات والخيم السود الموضوعة لهذا الغرض، ناهيك عن السيارات التي تعبر الشوارع وهي ملغّمة بمكبرات الصوت التي تخترق أسماع المارة، سواء يعنيهم هذا الأمر أم لا يعنيهم، فليس بالضرورة ما أؤمن به أنا يكون حتمياً ليؤمن به غيري.

 

خاصّ – إلّا –