الأحد , 18 أبريل 2021

الأهواز في الشاشة العربيّة لأوّل مرّة

 

محمد نبهان / كاتب وناقد وصحافي إيراني – مجلّة شطّ – الأهواز

ترجمة فاطمة النعامي – الأهواز

 

المرأة، الحب، الأرض ولا شيء سوى ذلك/ ثلاثة أقانيم شكّلت فيلم “سامي” وهو أول فيلم سينمائي عربي إنتاج السینما المستقلّة الأهوازیة للمخرج “حبيب باوي ساجد” جاهزاً للعرض الجماهيري. أجواء الفيلم مفعمة بالإلماعات الرمزية الإقليمية التي تمضي قُدماً مع أفكار الراوي (سامي) العقلية كما أنها مقترنة برؤية وثائقية، يمتلك هذا الفيلم تأثيراً شديداً لجهة إحياء الشعور العربي النوستالجي (الحنين إلى الماضي) وطبعاً الإنساني.

سامي رجل وحيد، يبست الابتسامة على شفاهه، وكل ممتلكاته عبارة عن دراجة نارية، حصان، منزل قديم آيل للسقوط، وابنة سلبتها الحرب إحدى قدميها، سامي واجم غالباً وقليل الكلام جداً، حين يتحدّث يجتذب السامعين ويؤثّر في حديثه، هاجسه الأوحد يَنصَبُّ على إعادة استصلاح أرضه، فهو يرغب بامتلاك حياة.. سامي لا يلقي بالاً على الإطلاق للشرايين الرئيسية لإنتاج الثروة (مثل صناعة النفط والغاز وغيرها…) التي تنساب على “أطراف ” أرضه، بل يعبر من جانبها بأريحيّة مثل الغرباء، يُظهر سامي أنه أكثر من أيّ وقت مضى إنساناً مثالياً طوباوياًّ عزيز النفس، بالرغم أنه يواجه ظروفاً قاسية للغاية، بيد أنه لم يترك وطنه، وإزاء بقائه دفع أثماناً باهظة ً(في الحرب)، لهذا يتعيّن على سامي الآن أن يدفع لوحده ثمن وحدته…

تكاليف البقاء فادحة، ثمّة حرب لشخصٍ وحيد يجابه وضعاً معيشياً وخيماً… في الطرف المقابل يُذّكر صوت صفارات سفن الميناء بازدهار الصناعة ونموها وحجم التبادل التجاري، بيد أن سامي رغم كونه متواجد في هذه الدائرة، لكنه يكابد شظف العيش ويعاني من ضائقة مالية شديدة..

التناقض بين صفارات الإزدهار والعمل والأقدام المتجشّمة عناء الفقر المادي العابرة من جانبها، ورائحة رؤوس الأموال الكبيرة التي تكتنف محيط حياة سامي برمّتها؛ ابتداءً من جلبة الشاحنات المحمّلة بالبضائع وصولاً إلى السفن وأنابيب النفط والغاز، حيث تهبّ عليها الريح طوال الفيلم مثل موتيف واحد (العنصر المتكرر).

يفصح سامي عن أحلامه.. عن إيجاد مسوّغات للإجراءات الناقصة.. وعن العجز الذي استحال إلى يأس وخيبة. في هذه الغضون يلج شيخ العشيرة (هذه الشخصية المتاهة والرمزية) في الأحداث بزفرة آه مقرونة بحسرة، وبخلاف توقعات المجتمع المدني (وحتى التوقعات العرقية) هو شخص ليس أمّياً، بل هو ثائر خبير ومقاوم، يجهد عبر رغبته بالمثالية النوستالوجية ليحول دون انتقال عشيرته إلى المدينة.. يعتبر الشيخ، سامي مخزن أسراره.. هو الآخر قاتَل من أجل حياته وفي ريعان شبابه اعترته رغبة الالتحاق بتشي غيفارا..

في خضم هذا النزاع، جلّ مسعى سامي هو الأرض، الأرض التي حدّقت بها زوجته (دلال) لمّا وافتها المنيّة؛ الأرض التي وضع الجميع يده عليها، الألغام، الحوّامات، فوج حرس الحدود، الحرب و…. المقطع العجيب والخارق للعادة الذي يعرض شجار عمال النفط، يدفعُ سامي للخروج من قهوة “غازي”.

سامي من أجل وطنه بات وحيداً، يتجول بين الألغام أو كأنّ الألغام تتجوّل وسطه. لكن هذا الأمر لم يفطن له المجتمع جيداً، الأرض، الوطن والحب، وهبت مكانها في مقطع القهوة لمشاجرات آخرى ومطالب معيشيّة.

سامي، راوي يسرد حب حقيقي لزوج عربي أهوازی، حبٍ بخلاف روايات المجتمع المدني، يجري في محيط عرقي مفعم بالرومانسية.. يعكسُ بوضوح سيرة حياة رجل ملتزم تقبّل حمل المسؤولية برَبَاطَة جَأش وفي أعقاب مقتل زوجته لم يتمكّن من التنصل من مسؤولياته.

في النهاية يمسكُ سامي بقدم “سعاد” (ابنته)، هي قدمٌ ليست للمشي، بل للعيش، للحياة ومن أجل استمرار ذريته من بعده… تُعزفُ موسيقى عربية فولكورية تبعث على النشاط والحيوية في حفلة زفاف، وتستمر الحياة بشغف… رغم مراراتها وكثرة آلامها…

بيد أن الأمر الذي لحظته في العرض الخاص لفيلم سامي الذي أقامه حبيب باوي ساجد، كان شدّة تعصبّه لطاقم عمل فيلمه، حيث طلب قراءة شارة النهاية حتى نهايتها، ويبدو جلياً أن طاقم العمل يشاركه الاحترام المتبادل، حيث ظلّ إلى جانب باوي ساجد طوال عامين استغرقتهما صناعة فيلم “سامي”.

قام بمونتاج الفيلم “رسول حق جو “، وتصوير “عماد سلمانيان” ولعب دور سامي “سعيد نكراوي “، وهناك نقاط أخرى تسترعي الاهتمام في الفيلم ولكن لا يتّسع المجال هنا للإتيان على ذكرها.

اعتمد حبيب باوي ساجد في فيلمه السينمائي الروائي الطويل الأول على أشخاص من غير الممثلين (وفي بعض الحالات استخدم ممثلين محليين مغمورين)، وأوكل دور الشيخ إلى “السيد محمد آل مهدي” وهو مترجم لغة عربية حاذق وضليع حتى يمنح الشيخ وفقاً لنوع صوت هذا المترجم ومعرفته، وجهاً كاريزمياً..

فيلم سامي عمل جيّد يؤسس لسينما أهوازية عربية وباللغة العربية والجدير بالذكر أن هذه التجربة قد لاقت حفاوة كبيرة ولافتة لدى الجمهور الأهوازي.

 

 خاصّ -إلّا –