السبت , 27 نوفمبر 2021

رَحَلَ ناجي العلي وَتَرَكَ حَنْظَلَة

رشاد أبو داود

رشاد أبو داود

    كان يرى أبعد مما نرى.. لم تكن عيناه زرقاوان كاليمامة بل عسليتان، تماماً كما لو أنّ فيهما نقطة من آخر ما تبقى من حلاوة الوطن.

    الوطن الشهيد ببنادق الأخوة التي تُطلق إلى الخلف، ومن الأمام كان رصاص المحتلّ المدجّج بسلاحِ الكراهية للغير، وكم كانوا كُثراً هؤلاء الغير، لكن ذات 1948 كان هذا الغير العرب الفلسطينيون أحفاد كنعان وأبناء الزعتر والزيتون، هم أولئك المتجذّرون في الأرض السماويّة، المُبارك ما فيها وما حولها..، كان ناجي ساطعاً وسط رؤية رمادية في مرحلة ملتبسة، بلاءاتها حيث “لا صلح لا اعتراف لا سلام “، إلى أن أصبحت بقدرةِ عربٍ غير قادرين على الصمود

    تقبل وتفاوض وتساوم على ” السلام مقابل الارض “، ومع التنازل الذي تمّ، لم يتحقق السلام ولم تتحرر الارض، فقط كان ” السلام، مقابل السلام “، هكذا تحقّق السلام لإسرائيل وحدها، وبقي العرب بلا سلام وبلا أرض.

    وحده ناجي العلي، كان يعرف ولا يعترف بشعارات صفراء، لم يرتدِ قناع المفاوض، تماماً كما أبى ربطة عنق المقاوم من داخل الفنادق.

    حافظ على خندق الفدائي وبقي فيه يقاوم بقلم الرصاص عندما تخلى الجميع عن الرصاص.. اتّهموه وقتها بالسوداويّة، لم يكترث لأنه كان يعرف بحسّه وحدسه، أن القادم أكثر سواداً وأن أوسلو ليست مربض خيلنا كما لم تكن لندن في الأربعينيات، كان يعرف أن أوسلو ليست سوى مصيدة بفمٍ مفتوح على ما هو أبعد وأكبر وأدهى واشدّ، وأن المفاوضات ستؤدي إلى نتيجة واحدة هي زوال المفاوضين واحداً واحداً، فقط ليبقى على الطاولة، وعلى الأرض طبعا، الإسرائيلي وحده!

    لكنّ ناجي العلي لم يستسلم بل فتح صدره، أبقاه عارياً، وأدار وجهه مع ” حنظلة” كي لايرى مهزلة “السلام”، وليظل ينظر بعيداً، لا يرى إلا فلسطين والشهداء ليقول لهم دائماً: سلام عليكم أيّها الأحياء.

    آثر أن يسكن “عين الحلوة” رغم مرارة المخيم، حيث مضى وكأنه كان مخيماً متنقلاً في لبنان والكويت ولندن.

    عرفتُه في الكويت أواسط السبعينات. كنّا شباباً في مقتبل القهر. وكانت فلسطين تبتعد عنّا، وكانت دول المواجهة تضمحلّ، وكان الطوق ينفرط بين سلامٍ ولا سلام، بين حربٍ ولا حرب حتى جلسوا في – كامب ديفيد – ليفتحوا كوّة “تاريخيّة” في الصراع مع الصهيونية، ويعترفوا بأن فلسطين ليست فلسطين بل هي “إسرائيل” لا سواها.

    كان ناجي العلي يعرف أنّ “مخيّم داود” سيتّسع لكلّ العرب فرادى وجماعاتٍ، أسوداً وضباعاً و زرافات، بكلّ ما فيهم من حمائمَ ونعاماتٍ.

    كان ناجي يومها في “القبس” بعد “السياسة “، وكنت حينها في “الأنباء”، وكانت الكويت بحقّ “بلادُ العُربِ”، كانت ملاذ اللاجئين والمنفيين والذين تطاردهم أجهزة الأمن في بلادهم لتكمّم أفواه الإعلاميين منهم.

    قليلا ما كنا نلتقي، لكنّنا كنّا معاً دوماً، أنا و زملاء عرب من كل الجنسيات، كنّا نكتبُ، ونصرخُ، ونضعُ قلمنا، على الجرح العربي تارةً، وتارةً كنا نضعه داخله، وكان الجرح يتّسع فينزف عروبة صافية، وكان ناجي العلي يطلّ كلّ صباحٍ ب”حنظله” ،ليقولَ لنا: لا تصدّقوهم، إنهم ” إخوان شليتة”.

    لم يكن ناجي يهمّه أحد، ولم يكن ليحيد عن فلسطين، ولم يبالِ لأيّ من العرب ارتدى كوفية أو بدلة عسكرية، برنيطة أميركية او فروة سوفيتية.

    هكذا ظلّ إلى أن بلغ مرحلة هدّدوه بشكلٍ صريح ومباشر ان هو لم يكفّ عن انتقاد “الزعامات” السياسيّة.

    ولم نسكت نحن الشباب بل قُلنا لأستاذنا ومعلّمنا “محمد خالد قطمة “، الرجل الحموي بانتمائه القومي السوري الاجتماعي، خريج الجامعة الاميركية اللبنانيّة، المسلم العقائدي المتزوّج من مسيحيّة، العروبي المؤمن حتى النخاع من جنوب اليمن إلى لواء اسكندرون، المنتمي اعتباراً من بحر فلسطين إلى شط العرب الى الاهواز ..قلنا له وقتها: استاذنا إنّهم يهدّدون ناجي العلي، وأنتَ ما من عربي لا يحترمك.. افعلْ أو قلْ لهم شيئاً.

    لم يتردّد ولم يتأخّر بل وفي “الأنباء” رتب لنا لقاءً مع قيادي كبير في منظمة التحرير الفلسطينية، جلسنا مع الرجل وتحدثنا إليه. قال القيادي الفلسطيني يومها: “ناجي ابننا لكنه سوداوي إلى درجة خطيرة. قولوا له أن يخفّف من سوداويته فقط”.

    نقلنا كلام القيادي الفلسطيني إلى ناجي العلي حسب الطلب، وليتنا لم نفعل ..فقد تحوّ ناجي إلى كتلة غضب، لكأن الجمر أصبح يتطاير من عينيه العسليتين، وصار الكلام المرّ يسيل كالنار من بين شفتيه. باختصار ناجي لم يكن ليهادن، ونحن صمتنا ولم يكن في وسعنا أن نلح عليه.

     كم كان محقّاً، كم كان حقيقياً.. وها هو حال فلسطين يؤكّد ما كان يراه ناجي، وهاهو اليوم حال العرب يبكي حاله.. وكلما ابتعد العرب عن قضيّتهم المركزيّة ضاعوا أكثر، وفقدوا البوصلة وفقدوا معها دولهم وكرامتهم !!

رشاد أبو داود

شاعر وكاتب وصحافي / المملكة الأردنية الهاشمية

تموز 2015

خاصّ إلّا..

تعليق واحد