الثلاثاء , 25 يناير 2022

الاتفاق النووي لبنانياً: المواقف والدلالات والانعكاسات المستقبلية

Spread the love
قاسم قصير / كاتب لبناني

قاسم قصير / كاتب لبناني

منذ توقيع الاتفاق النووي بين إيران والدول الكبرى وردود الفعل اللبنانية تتوالى بين مؤيد ومرحب للاتفاق وبين متخوف أو متوجس منه ومن انعكاساته، وبين من يراه مؤشراً للواقع العربي السيئ.

ونشرت العديد من التقارير والدراسات والتحليلات حول الانعكاسات المتوقعة للاتفاق على الصعيد اللبناني سياسياً واقتصادياً. ففيما يتوقع بعض السياسيين والمحللين ان يؤدي الاتفاق إلى انفراج سياسي داخلي يساعد في حل الأزمة الرئاسية، تخوف آخرون من ان يؤدي الاتفاق الى ازدياد دور حزب الله وحلفائه، ما ينعكس سلباً على الواقع اللبناني الداخلي.

فما هي أبرز ردود الفعل اللبنانية على الاتفاق النووي الإيراني؟ وما هي الانعكاسات والتوقعات المستقبلية على الصعيد اللبناني؟

ردود الفعل اللبنانية

لقد تباينت ردود الفعل اللبنانية على الاتفاق، فالرئيس نبيه بري وحزب الله ومعظم قوى 8 آذار رحبوا بالاتفاق واعتبروه انجازاً مهماً للدبلوماسية الإيرانية ودعوا للاستفادة منه لتعزيز الحوار العربي-الإيراني والعمل لحل الأزمات القائمة في المنطقة.

على صعيد قوى 14 آذار و«تيار المستقبل»، كان بارزاً الموقف الذي أعلنه رئيس كتلة «تيار المستقبل» الرئيس فؤاد السنيورة الذي رحب بالاتفاق ودعا إلى تطوير العلاقات الإيرانية – العربية من خلال التركيز على النقاط المشتركة تاريخياً وجغرافياً واقتصادياً، مؤكداً ضرورة الابتعاد عن القضايا الخلافية.

أما الأمانة العامة لقوى 14 آذار، فقد اعتبرت «أن الاتفاق يساعد في تعزيز دور التيار الاصلاحي في إيران» وتمنت ان يؤدي الاتفاق الى قيام إيران بدور إيجابي في المنطقة من خلال دعوة حزب الله للانسحاب من سوريا والتوقف عن عرقلة الأوضاع السياسية في لبنان.

من جهته رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع، رحب بالاتفاق ولكنه استبعد ان يؤدي إلى تغيير سياسي في الواقع اللبناني. ولوحظ ان المملكة العربية السعودية سارعت إلى ترتيب زيارة لجعجع إليها لدعم العلاقة معه ولتعزيز دورها اللبناني. أما رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، فقد اعتبر ان الاتفاق تم على حساب العالم العربي المدمر وتخوف من انعكاساته المستقبلية.

على الصعيد الإسلامي، ففيما رحبت بعض القوى والشخصيات الإسلامية بالاتفاق، أشارت الجماعة الإسلامية على لسان رئيس مكتبها السياسي عزام الأيوبي إلى وجود تخوف لدى البعض من ان يؤدي الاتفاق الى زيادة الصراعات في المنطقة، وتمنت الجماعة ان يلي الاتفاق بين إيران والدول الكبرى، اتفاقات وتسويات بين إيران والدول العربية والإسلامية من أجل حل الأزمات في المنطقة.

أما حزب التحرير الإسلامي، فقد هاجم الاتفاق واعتبره خيانة إيرانية ومؤشراً على التواطؤ الإيراني – الأميركي في المنطقة. بالمقابل، لم تصدر هيئة علماء المسلمين أي موقف رسمي حول الاتفاق وإن كان بعض أعضاء الهيئة قد تخوفوا من ان يؤدي الاتفاق الى زيادة الصراعات في المنطقة بسبب زيادة دعم إيراني لحلفائها وسعي إيران للاستفادة من الاتفاق لزيادة نفوذها في العالم العربي.

على الصعيد الاقتصادي والعسكري، تحدث العديد من الخبراء الاقتصاديين عن ضرورة استفادة لبنان من مفاعيل الاتفاق النووي عبر العمل من أجل تطبيق الاتفاقات بين لبنان وإيران لجهة الاستفادة من معامل الكهرباء والمساعدات العسكرية التي سبق أن أعلنت إيران استعدادها لتقديمها وتحفظ عليها البعض بسبب العقوبات الدولية.

وأشارت مصادر مصرفية ومالية إلى أهمية استفادة المصارف اللبنانية من رفع العقوبات عن إيران من خلال تحويل لبنان إلى أحد المراكز المالية التي تستقطب رؤوس الأموال الإيرانية التي سيُفرَج عنها، وذلك للإسهام في المشاريع الاقتصادية والاستثمارية، لما يتمتع به القطاع المصرفي والمالي اللبناني من مرونة.

وبالإجمال، يمكن القول إنه رغم بعض التحفظات السياسية لدى بعض الأوساط اللبنانية، فإن الموقف الإيجابي من الاتفاق النووي الإيراني كان متقدماً على المواقف السلبية.

الانعكاسات المستقبلية؟

لكن ما هي الانعكاسات المستقبلية للاتفاق على الوضع اللبناني؟ وهل سيساعد في حل الأزمات السياسية أم انه سيؤدي إلى دعم حزب الله ونشاطاته، ما قد ينعكس سلباً على الوضع في لبنان والمنطقة؟

قد يكون الرئيس نبيه بري أكثر المتفائلين بالانعكاسات الايجابية للاتفاق النووي على الوضع اللبناني، وقد نادى بري بضرورة الاسراع بإجراء حوار سعودي – إيراني لحل الأزمات في المنطقة بموازاة الحوار الإيراني – الدولي حول الملف النووي.

أما حزب الله فمن خلال قراءة تجربته طوال الخمس وثلاثين سنة الماضية وعلاقته بالأوضاع الإيرانية، يمكن أي مراقب ان يستنتج انه كلما تحسنت علاقة إيران بالدول الكبرى أو بالعالم العربي، انعكست الأمور إيجاباً على الوضع اللبناني.

فتطور العلاقات بين إيران والدول الكبرى وخصوصاً مع أميركا يمكن ان يساعد كثيراً في تغير مواقف حزب الله من خلال المساعدة في البحث عن حلول سياسية للأزمات القائمة، لكن ذلك يتطلب أيضاً حصول حوار إيراني – سعودي والتطور الايجابي في العلاقة بين إيران والدول العربية.

لكن بعض المصادر السياسية المطلعة تؤكد أن الاتفاق النووي الإيراني وتحسن العلاقات الإيرانية – العربية، لن يؤديا تلقائياً الى معالجة الأزمة اللبنانية، لأن هناك بعداً داخلياً يجب أخذه في الاعتبار وهو يتمثل بالواقع المسيحي عموماً وبدور التيار الوطني الحر والعماد ميشال عون خصوصاً، فأي اتفاق سياسي لا يأخذ في الاعتبار اشكالية الواقع المسيحي اللبناني وبالأخص موقع العماد عون لا يمكن ان ينهي الأزمة اللبنانية.

لكن ما يمكن قوله عموماً، أن حصول الاتفاق النووي بين إيران والدول الكبرى يشكل تطوراً استراتيجياً مهماً دولياً وإقليمياً، وسيكون لهذا الاتفاق تداعيات ايجابية سياسية واقتصادية على الصعيد العالمي والإقليمي والعربي، ولبنان سيكون إحدى الدول التي ستستفيد من هذه التداعيات، والمهم ان لا يعمل المعارضون للاتفاق على تخريب الأوضاع، بل أن يُستفاد من هذا المناخ الايجابي للذهاب نحو الحوار، وهذه مسؤولية إيرانية وعربية وإسلامية، ويمكن القوى اللبنانية ان تُسهم إيجاباً في تعزيز هذا المناخ الحواري.

قاسم قصير

المصدر: مجلة الامان

24-7-2015