السبت , 27 نوفمبر 2021

ذاكرة حيّة لن تموت

ثورة 23 يوليو..أم الثـــــــورات في العصــــر الحديــــــــث

بقلم: عصام الغازي

عصــام الغــــازي شاعر وكاتب وصحافي/ جمهورية مصر العربية

عصــام الغــــازي
شاعر وكاتب وصحافي/ جمهورية مصر العربية

 

    يحل العيد الثالث والستون لثورة 23 يوليو1952 الخالدة، والأمة العربية تعاني من أخطر هجمات الثورة المضادة، المدعومة من الامبريالية العالمية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وحلف الناتو، والتي انتهجت تكتيك الجيل الرابع من الحروب في غزوتها الراهنة لبلادنا، فيما سمي في البداية بـ “الفوضى الخلاقة”، التي أفضت الى ما يسمى بـ”ثورات الربيع العربي”، حيث استعارت الامبريالية العالمية “أقنعة الثورة” لخداع شعوبنا المقهورة من جانب أنظمة الفساد الحاكمة، بهدف إسقاط هذه الأنظمة التي نخرها السوس، واستبدالها بأنظمة عميْلة أخرى، تساعد القوى الاستعمارية في إعادة تخطيط المنطقة كلها وتجزئتها في دويلات وكانتونات صغيرة تحقق التفوّق المطلق للعدوّ الصهيوني، وتفي بمصالح الدول الاستعمارية خلال القرن القادم، على نحو ما قامت به اتفاقية ” سايكس – بيكو”، وقامت الامبريالية بتحويل شركات الحراسة الأمريكية مثل “بلاك ووتر” التي حاربت في العراق إلى تنظيم “داعش” الإرهابي، بدعم من جهاز الموساد الاسرائيلي وتركيا وقطر.

    وقد ظلّت ثورة 23 يوليو رغم مرور 63 عاما على قيامها ملهمة لكل ثورات التحرّر الوطني في العالم، لأنها الثورة الأم، التي تمكّنت بزعامتها التاريخية من زلزلة قواعد الامبراطوريات الاستعمارية القديمة، حين نجح جمال عبد الناصر في توقيع اتفاقية جلاء قوات الاحتلال البريطانية عن مصر، بعد أكثر من 70 عاما من الاحتلال والقهر، الذي سجله التاريخ بدماء الفلاحين الذين أعْدِموا شنقاً في دنشواي، والطلبة الذين أطلقت القوات الانجليزية النار عليهم فوق كوبري عباس، وشهداء حرب الفدائيين في منطقة قناة السويس، وإهانة ملك البلاد – آنذاك – حين اقتحمت الدبابات الانجليزية قصر عابدين ليفرض السفير البريطاني على الملك فاروق بالقوّة تعيين مصطفى النحاس زعيم حزب الوفد رئيسا لحكومة جديدة تأتي على دبابات الاحتلال!.

    وقد أتيح لكاتب هذه السطور أن يلتقي بالعديد من أعضاء مجلس قيادة ثورة 23 يوليو52، ويحاورهم حول قضايا كثيرة استجلاء لحقائق الثورة وزعامتها، وقد نشرت العديد من هذه الحوارات في كتابي (راقصون على الجمر) الذي صدر عام 2000 وطبع في بيروت، وكان في طليعة من التقيتهم وتحاورت معهم الرئيس محمد نجيب – أول رئيس للجمهورية في مصر بعد الثورة – وكان ضابطا وطنيا متقدّماً في السن، اختاره مجلس قيادة الثورة الذي كان يترأسه البكباشي جمال عبد الناصر، لكنه لم يكن عضوا في مجلس قيادة الثورة، ولم يكن يحضر اجتماعاته، وتم اقصاءه في أزمة مارس 54، حيث التفت حوله عناصر جماعة الاخوان والأحزاب التي تمّ حلّها، وأقنعته بأن يطلب من الضباط في مجلس الثورة العودة الى ثكناتهم، وتسليم حكم البلاد إلى حكومة مدنيّة ممن أفسدوا الحياة السياسية قبل الثورة، فرفض مجلس الثورة اقتراحه وقالوا له: نحن لم نَقُمْ بالثورة لنسلّمها مرة أخرى لمن ثِرْنا ضدّهم ليعلقونا على المشانق. وتمّ اعتقال محمد نجيب الذي التقيت به في معتقله بقصر زينب الوكيل بالمرج في ضواحي القاهرة، وقضيت معه يوما كاملا، حيث يُربي مجموعة كبيرة من القطط والكلاب، ويعيش حياة رثّة في غرفة تكسّر زجاج نوافذها وقام بسدّ النوافذ بألواح كرتونية وأخبرني حينها أن الرئيس السادات عرض عليه نقله في شقة سكنية مؤثّثة جيداً لكنّه رفض، وإن كان قد قبل ذلك في عهد الرئيس مبارك.

    كما التقيت أعضاء مجلس الثورة كمال الدين حسين وعبد اللطيف البغدادي وحسين الشافعي وخالد محيي الدين، والتقيت علي صبري رئيس وزراء مصر في نهاية عهد عبد الناصر الذي حكم السادات عليه بالاعدام بعد وفاة عبد الناصر، وتم الافراج عنه لأسباب صحية، والتقيته فور الافراج عنه وأجريت معه حواراً مطوّلاً، قال لي خلاله أنّ عبد الناصر لم تخمد فيه الثورة حتى أيامه الأخيرة، وأن روح الثورة ظلّت في دمائه حتى يومه الأخير، وكاشفني بأسرار صراعات مجموعة 15 مايو 1971التي انتهت بخروجهم الجماعي من الحكم.

    كان جمال عبد الناصر هو مفكر ومهندس ثورة 23 يوليو بمبادئها الخالدة، وهو الذي أصدر قانون تحديد ملكية الأرض الزراعية وجعل الأرض لمن يزرعها من الفلاحين، وهو الذي خاض معركة تأميم قناة السويس بعد أن سحبت الولايات المتحدة موافقتها على تمويل بناء السد العالي، وهو باني السد العظيم والمصانع الكبرى المملوكة للشعب، التي نهضت باقتصاد مصر خلال الحروب ضد الاستعمار واسرائيل.

    كان جمال عبد الناصر ملهما لثوار العالم بِدءاً من فيدل كاسترو وجيفارا في كوبا وانتهاء بنيلسون مانديللا في جنوب أفريقيا، فقد نجح في انتزاع الجلاء الذي فشل في الحصول عليه كل الزعامات الوطنية ابتداء من أحمد عرابي ومصطفى كامل وسعد زغلول وزعامات ثورة 1919، وأنهى أسطورة الامبراطوريات الاستعمارية القديمة التي نهبت مستعمرات أفريقيا وآسيا، وساعد حركات التحرر الوطني في الجزائر واليمن والعراق وغانا وغينيا ومالي والكونغووغيرها من الدول التي حصلت على حريتها بالكفاح المسلح، ولم تغب يوما عن عينه قضية استرداد الحقوق الفلسطينية السليبة، وأسس مع الزعيم الهندي نهرو، والرئيس اليوغسلافي تيتو، ورئيس وزراء الصين شواين لاي، والرئيس الاندونيسي سوكارنو، كتلة عدم الانحياز في مؤتمري باندونج وبريوني.

    وانتهج عبد الناصر سياسة منحازة للفقراء اجتماعيا، حيث التعليم المجاني، والعلاج المجاني، لكل أبناء الشعب وتكافؤ الفرص في الوظائف العامة، وأعلن أن طريق التحوّل الاشتراكي هو طريق تحقيق العدل الاجتماعي، والكرامة الانسانية لشعبه، وتحقّقت على يديه أول تجربة نابضة للوحدة العربية حين أعلن قيام الجمهورية العربية المتحدّة بين مصر وسوريا، وقال في بيان إعلانها: لقد قامت في هذا الشرق دولة كبرى، ليست دخيلة فيه ولا غاصبة، ليست عادية عليه ولا مستعدية، دولة تحمي ولا تهدّد، تصون ولا تبدّد ، تقوّي ولا تضعف، تؤكّد العدل، تدعم السلام، توفّر الرخاء لها ولمن حولها بقدر ما تتحمل، وما تطيق.

    هذه هي ثورة 23 يوليو المجيدة التي وقف جيشها القوي سداً منيعاً في وجه الأطماع الاستعمارية، ومخطّطات التقسيم والتجزئة لبلادنا وأمّتنا، والذي تتآمر عليه الآن تنظيمات الاخوان الارهابية بفروعها وأجنحتها العسكرية العميلة، وتخوض معارك قذرة ضده في سيناء لصالح العدو الصهيوني، وأبدا لن تتمكّن من النيل منه، لأن مصر ينبوع الحضارة، وملهمتها على مدى التاريخ الانساني، وأرض الايمان بالله الأبدية.

خاص لـ إلا

*عصام الغازي

شاعر وكاتب وصحافي/ جمهورية مصر العربية

القاهرة -20 يوليو 2015

3 تعليقات