×

كلود خليل.. غير “تَمَام “

كلود خليل.. غير “تَمَام “

أن تمسك طرف الخيط في عالم الكوميديا ليس سهلاً أبداً، والأصعب أن تترك طرف الخيط في يدك حتى النهاية، وتتشبّث به لتمسكه في قبضتك بهدف إحداث الفرق، كل هذا ليس بالأمر البسيط، رغم أنّ الكوميديا تقوم على البساطة والتبسيط كما هو معلوم وشائع..

لا شكّ أنّ الكوميديا اليوم مهمّة في غاية الصعوبة لأنّ المتراكم في قلوب الناس ليس بالأمر السهل، وخاصّة في لبنان وما حوله من أزماتٍ سياسيّةٍ، واقتصاديّةٍ، وحروب كارثيّة، كالتي اندلعت في “غزّة ” منذ عدّة أشهر، ولم تنطفئ للأسف، حتى يومنا هذا ..

كلود خليل الممثل استطاع أن يتجاوز كلّ المتاريس النفسيّة التي يعاني منها المواطن اللبناني، واختار أن يكون صوت ذاك المواطن المُتعب، وصدىً للوطن المقهور، فسلّط الضوء على الكثير من المعاناة، بأسلوب السهل الممتنع، أضحك الناس بمرارة كان يشعرها في قرارة ذاته، وأبهج المشاهد بعفويته الدمثة وملامحه الوديعة..

كلود خليل يمكن أن يُقال عنه الكثير لأنه استطاع أن يُقدّم الكوميديا دون مبالغة، ودون تكلّف، دون جهدٍ وعناء، لقد دخل كل منزل عبر الشاشة الصغيرة، ومنها تسلل إلى كل قلب وبدون استئذان..

كلود خليل استطاع أن يضحكنا في زمن قلّ فيه التبسّم فكيف به يرتقي بأعماله الكوميديّة إلى مرتبة الضحك من صميم القلب.. عرفناه في ” بسمات وطن” ليصبح بسمة ساطعة في دُرّ فنّونه التي يملكها امتلاكاً حقيقيّاً بكل مافيه من موهبة ونبل وطيبة وعفوية وحبّ للوطن والمواطن والمجتمع ككلّ، هو المتواضع القدير كلّ من أحبه اعتبره مخلّصه من عذاباته المريرة ، وهو المرهف الذي أيضا يجسد طاقاته ومواهبه عبر الفن التشكيلي وكأنّ في قدراته المتنوّعة صمت خجول يخفيه عن جمهور يحبّه جداً، تعالوا معنا عبر “ إلا ” نفلفش معه بعض الصفحات ببساطة لأنه يقدّم الكوميديا من صميم قلبه ومشاعره الصادقة، ومن القلب وإلى القلب ثمّة رسول يوثّقه الموهوب الحقيقي بملامحه وأدائه وأدواته وموهبته كما هو تماما كلود خليل ويسرّني أنا “رولا الحلو ” أن أتحاور معه دردشة مقتضبة لأعرّف قرّاء – إلا – الكرام على ضيفي العزيز كلود خليل.

حوار الإعلاميّة / رولا الحلو – بيروت

١- السيد تمام كيف الحال هل انت تمام في هذا البلد وهذه الأحوال؟
انا لست تمام اليوم بسبب ما نعيشه في هذا البلد الجميل من صراعات سياسيّة واقتصادية أتعبتْ جميع المواطنين وبالطبع أتعبتني لأنني واحد منهم فما يعيشه اللبنانيون اليوم يثقل كاهلهم وخاصّة أنهم غير قادرين على ايجاد حلول تخفّف عنهم وطأة الخوف والقلق والمجهول..


2- ما رأيك بما تقدمه الشاشات اللبنانية باسم الكوميديا هل ثمّة ابتذال في عمل الكوميديا اليوم ؟!
الكوميديا أصعب ما يمكن أن يقوم به ممثل من أدوار، إذ ليس من السهل أن نُضحِك المشاهد، ونخرجه من
مزاجه السيء أبداً، البعض يحاول أن يكون ناجحا في عالم الكوميديا وانا احترم هذه المحاولات لكنهم قلائل جداً، الذين يدركون أن الكوميديا رسالة، وأن الرسالة حمالة أوجه.. لقد أضحكنا العالم في بسمات وطن بكل ما نملك من طاقات ومهارات، ونجحنا بشهادة الجميع، لكننا اليوم توقفنا، لأننا لا نتمنى ان نغترف الكوميديا من دموع الوطن النازفة اليوم، لكثرة الضغوطات اليومية، بكل ما فيها من الشعور بالضياع الذي نعيشه، بسبب عالم موبوء بالسياسة.


3- ما هو الطابع التمثيلي الكوميدي الذي تود الظهور به من جديد وهل هناك عروضات جديدة تُقدّم لك؟

هناك عروض كثيرة دون شكّ، ولكن بتقديري ليست مهمة، ثمّة استخفاف في صناعة المشهد الكوميدي، ويعتقد كتاب اليوم أنه كلما كثر الحشو والتهريج والغوغاء، تمكنوا من جذب الجمهور، وللأسف الجمهور لم يعد يمتلك الحد الأدنى من الاعتراض أو الرفض، يتقبّل أي شيء حتى وإن كان لاشيء، لهذا أنا أدقق جداً حين انتقي العمل الذي يناسبني، ولا أقبل بأيّ عرض لمجرد أن أعمل، أو يُقال أنني أعمل، أريد أن أقتنع بالفكرة والنص وكل العناصر أولاً كي أستطيع أن أكمل مسيرتي بقناعة وحب.

4- أمام واقع اقتصادي صعب هل مهنة التمثيل تنصفك أم تتجة لعمل آخر؟
لا للأسف الوضع صعب جداً كما هو معلوم، لهذا كان لا بدّ لي أن أتّجه لعمل آخر، إذ أنّ متطلبات الحياة كثيرة، وهذا حال الجميع. فأنا إلى جانب التمثيل، أحترف الرسم التشكيلي، ولم يعد الرسم بالنسبة لي مجرّد شغف وحبّ ولون، بل حرفة لعمل آخر أعيش منه أيضا، لكن بالوقت عينه أجد في اللوحة ملاذي الذي أهرب من خلالها، الى ذاك العالم الجميل دون تردد، واضعا إحساسي وأفكاري وتطلعاتي في لوحاتي التي تعبّر عن كياني الإنساني وعن مشاعري العميقة، فالرسم عالم قائم بحدّ ذاته ولا يستطيع أن يدخل هذا العالم إلّا الإنسان المرهف الذي يعيش إحساسه في كل لوحة
يرسمها.

5- جمهورك اشتاقك ولا ينسى شخصيات مثلتها السيد تمام العم خرفان وشفيقة ، كيف تحارب غيابك عن الشاشة؟
أعلم أن الجمهور قد اشتاقني جداً، لأنني أنا أيضاً اشتقت لجمهوري جدا جدا جدا، واشتقتُ لتلك الشخصيات التي جسّدتها، وتعايشتُ معها، وحملتُ خصالها، وسلوكياتها، وأخلاقها، وأهدافها، ومعانيها، وطباعها، وقناعاتها، وأفعالها، ورود أفعالها، ولكل شخصيّة وردتْ في سؤالك أشكرك على استحضارها هنا، وتذكير الجمهور بها العزيزة رولا، ولا أخفيك أجدني أحياناً أحارب لأجلها غيابي الطويل، وأواصل الإطلاع على كلّ مشروع جديد لكن للأسف لم أعثر على العمل الذي يُنصف تلك الشخصيات، لهذا ما زلت بانتظار بعض الوعود المتتالية باستمرار، ولا أخفيك أيضاً أنه ربما قريباً يسمع الجمهور الكريم ببعض التحضيرات لعمل جديد إن شاء الله، علّه يكون خيراً كما أتمنى، ويتمنى المشاهد، الذي يستحقّ منّا كلّ جهد وكلّ إحترام.

6- ما رأيك بالبرامج الكوميدية المبنية على التنمر كمادة للبرامج؟
للصراحة معظم الذين يعملون في الكوميديا اليوم، يتصرفون على أنّها مهنة لجمع المال لا أكثر، الفنان الحقيقي يعيش الدور ويجتهد جداً لإيصال البسمه للآخر وأي طابع جديد يأتي في وقته، أمّا عن التنمّر باسم الكوميديا أو ضمن سياق العمل الكوميدي، فبتقديري أنّه شيء بشع ومزعج جدا، وبعيد كلّ البعد عن القيم والأخلاق والمبادئ الإنسانيّة السامية، ليس كلّ من تشدّق بمياعة ورخص، يحقّ له أن يصنّف فعله على أنّها “كوميك “، الكوميديا تحتاج إلى شيء من السخرية، والسخرية لا تأتي من فراغ أو من حركات ساذجة سخيفة وسطحية ساذجة، بل من وعي عميق جداً، وإدراك كبير للمسؤولية.. التنمّر للأسف نشهده في كثير من البرامج الكوميديةالتي تدّعي أنها “كوميديّة ” حيث أصبح التنمّر فيها عنصرا لابدّ منه، من خلال الاستعراض الهستيري أحياناً، للقطة على السوشيال ميديا، أو سقطة على الشاشة، أو ذلّة لسان، فتصير مادة دسمة للتنمّر والإستهزاء في برامجهم، ويظنون أنفسهم قد قدموا الجدبد، انما يقعون في مطبّات بالية وزائفة ومضيعة للوقت، ولا تترك أي أثر يُذكر، ولا أيّة بصمة يمكن أن تفصح أو تثمر بأي شيء.

7- هل هناك أصدقاء بالمعنى الإنساني فعلياً في مهنة التمثيل، هل يمكن لك أن تسمّي لنا المقربين لك، والمقربين منك؟
طبعا هناك أصدقاء حقيقيون جداً، تجمعني معهم هواجس إنسانيّة كثيرة، وصداقة عميق، بكل ما فيها من لقاءات دائمة، وحوارات مستمرة، ونقاشات مفتوحة مهما اختلف أو تقاربت، تبقى الصداقة ويبقى الاحترام حصنها الحصين، لكن هؤلاء من الندرة ومن القلائل، وأذكر منهم شربل خليل ، جان بو جدعون، وسامي ظاهر.

8- هل شربل خليل رقم واحد في كتابة الكوميديا السياسية؟
بداية اسمحي لي أن أتوجّه من خلال مجلتكم الكريمة، بالتحية العميقة للعزيز شربل خليل المبدع الحقيقي، وكما يعلم الجميع، أن شربل خليل أول من تجرّأ وكتب وانتقد وواجه عبر الكتابة السياسيّة وأوّل من وظّف الكوميديا لخدمة المواطن وتنويره سياسيّاً، وأول من وظّف السياسة لخدمة الكوميديا لكسب الجمهور على مختلف الأصعدة والشرائح، ففي البرامج التي قدّمها شربل خليل كانت المتابعة الحثيثة للجمهور العريض من قبل صاحب أرفع منصب سياسي إلى أبسط عامل في أيّة مهنة شائعة، كان المواطن يستشف المراحل من الحلقات المطروحة، ويشارك الشارع اللبناني والعربي على حدّ سواء كامل الأصداء بنقاشات حرّة وحيّوية على مدار الأسبوع ريثما يكون موعد الحلقة القادمة، كانت فترة ذهبيّة للكوميديا الهادفة قدّمها شربل خليل بجدارة أثبتتْ ليس نجاحه فقط بل تميّزه أيضاً.. ومعه كان الألق الذي جنيناه سهلاً، لكن ابتعاده عن الشاشة وعن هذا النوع من البرامج بالتأكيد أربكنا جميعاً أنا وجان بوجدعون وسامي ظاهر.

9- كيف تجد دور نقابة الفنانين اليوم في لبنان؟
لا ريب أنّ دور النقابة مهم جداً في حياة كل فنّان، فهي المرجعيّة، وهي السند، وهي الملاذ، وبالتأكيد النقابة وبرئيسها الحالي الفنان العزيز “نعمة بدوي ” تحاول بكل ما لديها من قوّة محدودة، ووسائل بسيطة متاحة، وجهود مبذوله للانتصار لأي فنان عضو من أعضاء النقابة وليس الانتصار عليه، وذلك عن طريق دعم الفنان اللبناني، ولكن للأسف إمكانيات النقابة ضعيفة جداً، والحكومة الفاضلة لا تلتفت إلى الفنان وكأنه من كوكب آخر، لهذا أعتبر أن أي جهد من قِبل النقابة ورئيسها أهل للاحترام وعلى أمل أن يأتي يوم وتنجح فيه النقابة بدعم مادي حقيقي للفنان، وخاصة لأولئك الذين بلغوا العمر المضني من الأمراض والشيخوخة، وأولئك المنسيين من شركات الانتاج التي تعتمد على العلاقات والمعارف والطبطبات وغيرها.

10- كلمة أخيرة ؟!
أشكرك رولا على هذا الحوار الشيّق الذي أتاح لي قول الكثير، وأشكر مجلّة – إلا – المجلّة الراقية في شكلها ومضمونها وجدّيتها وطرحها.. أما الكلمة الأكبر فأخصصها للبنان كوطن دائم للنجوم، وهو كان وسيبقى عنواناً عريضاً للحب والجمال، راجياً العناية الإلهيّة أن تتكفّل بوطننا الحبيب وبكل مواطن نبيل من حقّه أن يفكّر بالعدالة الإجتماعيّة، والضمان الصحي، والإستقرار المادي، والارتياح الإقتصادي، والأهم الهدوء الأمني، والتفاهم السياسي على جميع المفارق والدروب المصيريّة.

إرسال التعليق

You May Have Missed