الأربعاء , 18 مايو 2022

من كان منكم بلا خطيئة…!

غادا فؤاد السمّان/ كاتبه وشاعره سورية – بيروت

في مجتمعاتنا العربية التي تعيش الازدواجية على أكمل وجه.. وتتقن فنون الإدّعاء بالتحرر، وتواصل السعي الحثيث للفوز بالحرية.
وتلتزم الأوهام اكثر من التزامها الدين والسياسة والمنطق والوطنية.. يغيب الضوء عن ذهنها الغارق في العتمة، والمدمن على الظلم، والظلام، والمتماهي بالظلاميين تماهي الملح في البحر الميّت.. فهي لا ترتقي للوقوف امام أي شاهق، بل لا تملك القدرة على رفع أنظارها لأيّ شامخٍ من هذه الأمة، بل تتكالب بشتّى الأساليب لتنتزعه من عليائه، وترمي به حيث هي في الحضيض، لا تفهم من التواضع غير الوضاعة التي تشبهها، ولا من الخصوصية سوى الخزيّ الذي يعشش في أعماقها لينخر كيانها الهشّ دون هوادة، وهنا لا بدّ من الاعتراف أنّ العدو الحقيقي يكمن في تخلفنا وجهلنا وكبريائنا المهترىء.. وإذا لم نجتهد للتغلب عليه فسينتصر علينا كل عدو يتربّص بنا منذ 1948 وإلى ما شاء الله.
لم يكن في نيتي ان أدوّن هذا الاستهلال الرمادي الكثيف، لكن لا اخفي انه يتعثّر أمامي القبض على لبّ الموضوع الذي آثرت الخوض فيه بدلاً من القفز عنه، وخاصة أن شهية قلمي مفتوحة مؤخرا للكتابة عن شخص أتوسّم فيه بقايا الضوء لهذه المنطقة المتقهقرة، والمتردية، والمتصدّعة بأشكالٍ مريعة، لا تترك الحد الادنى من التفاؤل، لكن ابني البكر “زاهر” الذي لم تشأ الظروف ان ألتقيه منذ 10 سنوات بحكم الحرب السورية التي دفعته للجوء إلى ألمانيا وحولته من مواطن سوري آمن مستقر، إلى لاجىء يعاني الغربة والشتات ودوامة لمّ الشمل والصبر الموجع لقلبي، وقلبه معاً، ونحن لا نملك غير الرضى لمشيئة القدر، والتي جعلت من هذه المرحلة فرصة استثنائية ليتعرّف على شخصية يعتبرها مثاله الأعلى في الفكر العلمي والعملي، والفقه المعرفي، والثقافي، والتنموي، وكونه اعتاد ان يفتح معي حوارات ونقاشات شبه يومية يساجلني ويناورني في كل صغيرة وكبيرة، يستشهد في كل تفصيل بمتابعاته للدكتور “طلال أبوغزاله” وكان يعيب علي كل تقصير في متابعةِ فكرةٍ او فقرةٍ او لقاءٍ او برنامجٍ او محطةٍ لطلال أبوغزاله ومازال.
وكنت أشعر أحيانا بشيء من التململ لشدة طرح هذا الاسم على مسامعي، والذي شعرت بشيء من الحصار لمنافذ فكري من خلال اهتمام ابني المتفاقم به، ونزولا عند إرسال الرابط تلو الرابط من قبل ابني زاهر بدأت أتابع واتابع حتى طفح قلمي وصار يصدّر مقالة إثر مقالة دون تردد ودون تأخير وشعرت ان مابقي لي من حبر وعمر بالكاد يكفي لأدوّن مآثر هذا الرجل، وأيقنتُ أنّ المبالغة التي يُضرمها ابني على مسامعي يوميا لاشيء يُذكر، إذ أن “طلال أبوغزاله” رجل موسوعي بامتياز، رجل من المستقبل كما قال عنه د. جواد العناني، رجل محبّ للحياة أعطاها الكثير فأعطته الأكثر بجدارة، أحبّ الآخر رغم أن الكثير من الآخرين غرسوا في ثنايا ذاكرته القهر والغبن والاضطهاد حين سلبوه طفولته المرفّهة بالإحتلال والتهجير، واضطروه أن يواجه المستحيل فكان الحافز الاقوى ليبلغ الذُرى.
تفوّق طلال أبوغزاله لم يكن مجرد اجتهاد بل كان حاجة ملحّة ليكون، لم يكن يملك ترف الكسل، بل خاض في مستنقعات العمل حتى وصل ينابيع العالمية، وتربّع فوق القمّة.
لدى طلال أبو غزاله آلاف الآراء الموثقه بالصوت والصورة، وهو في حوارات لا تنتهي عبر محطات عربية وعالمية، ومن يسترعي اهتمامه ابوغزاله فليتعقّب مؤتمراته التي تجوب القارات الخمس قارّة تلو الأخرى، وليهتمّ بنتاجاته الحديثة التي تضاهي بتطوّرها أعتى الانتاجات في العالم. وليتذكر قول السيد المسيح في هذه الايام الميلادية المباركة “من كان منكم بلا خطيئة”. وليكن كل ذي عاهة نفسية على يقين أن الحجر الذي سيرميه في محيط الرجل الواثق، سيقوّيه وأن أيّة خضّة سيفتعلها لن تتعدى كونها زوبعة في فنجان.

خاص – إلا –