الأربعاء , 27 مايو 2020

“المستثنى ” من السرب السياسي

جان عبيد / مرشح لرئاسة الجمهورية اللبنانية لعدة دورات انتخابية، وزير سابق، ونائب حالي – طرابلس

غادا فؤاد السمّان / رئيس تحرير مجلّة – إلّا –

ليست هي المرّة الأولى، ولا التالية، ولا التي بوسعي أن أختار لها ترتيب عَددي يُذكر، فهو “جان عبيد ” الذي تكبر معه المعاني، وتتفتّح مسارب اللغة، وتنبثق إشراقة الدلالات، فكلّ مرّة أعتمد فيها اللغة البسيطة كما أظنّها والتي تعكس بساطتي في التفكير والتعبير كما أتعمّد، أجد بقراءة الأستاذ،.. الأستاذ كشافاتٍ حقيقيّةٍ تنبش مابين السطور، وما وراء الكلمات فتجعلها أرقى من العادي وأعمق من المُرْسَل بمرامٍ و أشواط..

وليتني أملك ذاكرة تفصيليّة لأقف عند كل حرف وكلمة وأداة وإسم وإشارة وفاصلة، وتلك الحفنة من النقاط الكبيرة التي لا حصر لها، ولا سهواً يترك الكلام مفتوحاً لدى جان عبيد، بل دائماً يُغلق السياق قبل الإسترسال بكثير، فخير الكلام لديه ما قلّ ودلّ، هكذا كان اتصالك الكريم اليوم كما عهدته في سابقاته من الأيام، نصف ساعة كفيلة بانعاش الذاكرة، وتغذية الذهن، وتنشيط الفكر، وتدعيم الرؤى، وتعزيز الأنا، وتجديد الوعي، وتمكين الجدوى، وتوثيق الجدارة، فكم هو شيّق الحديث معك في معترك ودهاليز وكواليس المرحلة بكل ما أوتيتَ من قدرة على ربط الإسقاطاتٍ الشعريّة بأبي الطيّب المتنبّي، وأنت المُبحر في عالمه إبحار “كولمبوس ” وأبعد، الذي قاد البشرية إلى النصف الآخر من هذا العالم المتخم بالخيرات والصراعات.

الحرف عندك ليس بحجمه المحدود فقط، فمهما كان ضئيلاً يكبر بك، ويكبر معك، ويشمخ، ويسمو، ويغترّ كذلك، فهو لا يعرف الإنتظار لديك مهما كنت على انشغال، لا يعرف الإهمال، لا يعرف الفتور، يظلّ طرياً عندما تردّ الحرف الوفيّ، بحرفَين من ودّ ومدّ.

كل تواصل معك توثيق ليس لنبلك وحسب، بل لتواضعك الجميل، وإنسانيتك الأجمل، التي نفتقدها مع جميع من ركبوا قطعان وقطاعات السياسة وتغلغلوا في سراديبها كالخفافيش التي لا يمكن أن تبني علاقاتها على ضوء.

وهنا نُدرك أنّ في الأفق يصعب أن نعثر على بدرٍ آخر كبدر حضورك الجليّ الواضح الرصين، وإن طافت الأقمار الصناعية جميع المدارات، فوحده البدر بوسعه أن يزيح العتمة ولو بعد حين.

تسألني بدهشة العارف الذي لا يعرّف، من أي نبع للوفاء أنت جُبِلْتِ بمائه، من أي زمن أنت تشكّلت، وأجيب الوفاء لمثلك..  وفاء لحرفي، وفاء لحرفتي، وفاء لسجيّتي، وسليقتي، ونمطيّة تفكيري، وفاء لرؤيتي المتمذهبة على الانفتاح باتساع الأفق، وفاء لمواقفي التي لم تتوان يوما عن الجهر بحقيقتها مهما كانت النتائج، وفاء لما تعزّزه من عزيمتي دون أن تنسّى النصح الهادىء، بوجوب التريّث وعدم التهوّر، مبيّناً الفرق الشاسع بين الشجاعة و الانتحار، بعيداً عن تعقيد المفارقة.

ما أروعك وأنت كما أنت في كلّ مقام ومقال، تنصف جميع الرجال الذين تركوا بصماتهم على مرّ الأيام كالراحل الكبير “حافظ الاسد” والراحل الكبير “رفيق الحريري” رحمهما الله، حتى وإن لم تكن معهم على توافق تام وانسجام كامل في النهج السياسي، والقناعات الفكريّة، والخيارات الممنهجة، لكن وجدانك الحيّ، وقلبك العامر بالإيمان يجعلك دائماً تنطق الحق ولو على جبهة قناعتك.

أدرك خوفك على لبنان، وليت شراييني تصلح لتكون مصلَ يقظةٍ في ضمير كل من يتحكّم بمصيره داخل لبنان وخارجه

أدرك إيمانك بأبناء لبنان الذين لم تستثمرهم الأحزاب، ولم تفرّقهم المذاهب، والطوائف، والمصالح، والشروخ، والانكسارات، والشخصانيّة الضارية عند هذا وعند ذاك.

أدرك حرصك على الصمت المقدّس في مهبّ الغوغاء والضجيج، تماماً كما أدرك حرص لبنان على رجاله الذين كانوا والذين سيكونون معك قريبا وسيكونون معك حتماً من لبنان ومن المغترب ومن كل العرب اعتباراً من الشقيقة الكبرى “سوريا” التي تأخرت دهراً بانصاف لبنان بوجودك، وصولا إلى الشقيقة الفُضلى المملكة العربية السعودية، مروراً بالشقيقة الوسطى الامارات الأثيرة على قلب كل حرّ أبيّ لنهضة لبنان من هذا الدرك المريع الذي وصل إليه والذي يحتاج إلى تضامن عربي فعلا لإنقاذه من التفتت والانهيار المُحدق به لا محالة، وهو على شفير الهاوية، والصرع المريع.

رجائي فيما تبقّى لي من إيجاز ودّدت لو أنه لا ينتهي أن يحفظك الله، وأن يحيطك أنت ولبنان، وشعب لبنان بكل الحب والعناية والرعاية والطمأنينة والسلام.. شكري الدائم لجريدة “الديار ” التي أتاحت لحرفي أن يصلك، وشكري المتواصل لمجلّة “الهديل ” التي ترفد الضوء بالضوء. 

 

خاصّ – إلّا –

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*