الجمعة , 3 يوليو 2020

نداء إلى السيد الرئيس الدكتور بشار الأسد

غادا فؤاد السمان / شاعرة وكاتبة سورية – رئيس تحرير -إلا – بيروت

يعتبر مبنى السفارة السورية في العاصمة الألمانية برلين بمثابة مجسّم مجسّد للبيوت التراثية الدمشقية القديمة التي تختزل تاريخ العمران والحضارة الدمشقية الأموية الأرقى في تاريخ الهندسة المعمارية في العالم، المُرفقة في الصور أدناه، وهي ليست ككل السفارات السورية المنتشرة في أنحاء العالم، والتي أغلقت تمثيلها الدبلوماسي بحكم الأزمة التي عصفت بأمن سوريا واستقرارها الأمر الذي اضطرّها لإغلاق سفاراتها إلى حين انتهاء الأزمة بحكم بعض الخلافات السياسية ووجهات النظر المتباينة في المصالح والمواقف والأهداف، والتي ستعود إلى سابق حضورها وحيويتها ودبلوماسييها قريباً وتياعاً بمشيئة الله.

صورة ذات صلة

ما يميز السفارة السورية في ألمانيا هي أنها لا تختزل الحضارة والعمارة فقط بل الخصوصية الدمشقية ومزاجيتها الفريدة، ولتنفيذ هذا العمل الذي تمّ بجهد مفرط قام به فريق كامل من خيرة الخبرات الحرفيّة الدمشقيّة، والتي للأسف تتناقص فيها اليد العاملة، لعزوف الجيل الجديد عن تلقي هذه الحرف نظير غياب الآبناء والأجداد كمصدر رئيس لتكريس هذه المهنة، ومن الممكن أن تختفي هذه الصناعات وتتلاشى بالكامل، فالمهندس الدمشقي “أنور السيروان ” قد أخذ على عاتقه التنفيذ لهذا الصرح الذي وضع فيه كامل مخزونه الفني وإرثه الحضاري ليكون المبنى الخالد فعلاً والذي يحقّ له التكريم وهو في العقد السابع من العمر، إذ قدّم للحضارة العمرانية السورية ذات الطابع والخصوصية، وحرص دائماً  على تكريس تلك الخصوصية الدمشقيّة الرائعة والتي وصلت العمق الألماني وطالت الذائقة هناك وحاكت الروح الألمانية، ليس هذا وحسب بل بهرتها أيضاً، حتى أصبح هذا المبنى مطمح للكثير من الشركات الألمانية للحصول على المبنى بحفنة من الدولارات للأسف وجدت تجاوباً فادحاً لدى الجانب السوري.

صورة ذات صلة

 

وهنا يأتي خطابي المباشر إلى الرئيس السوري د. بشار الأسد ليوقف تلك الصفقة الرخيصة مهما غلت، لأن البيع هنا ليس مجرّد مبنى لسفارة مغلقة، بل هو معنى لحضارة مفتوحة على التاريخ والذاكرة والكيان تماماً.

ومن حقّ السيروان فعلياً الذي لا يملك المبنى كعقار ولكن يملكه كروح وكعمل فنّي، وكرؤية خاصّة لم يسبق لها مثيل، أن تحفظ سوريا له عمله الرائد، وألّا يتمّ التفريط بهذا المبنى الذي يلخّص حضارة مدينة عتيقه أصيلة راقية، أحبّها وهي مدينتي التي نشأتُ بها، وذاكرتي التي رعيْتها، وتمسّكتُ بها رغم كل المحن التي عصفتْ بأرجائها.

صورة ذات صلة

السيد الرئيس بشار الأسد.. أستحلفك بياسمينتك الرائعة أسماء، التي ترشح بعطر إخلاصها لك ولدمشق، أن تبقي على هذه السفارة لأنها مرآة لنا نحن الدمشقيون، الذين خسرنا الكثير الكثير من أموالنا وأملاكنا، ولم نستطع في ظل الفساد والمحسوبيات المستبدّة بكواليس المؤسسات، والدوائر ،والواسطة التي تفتك بكيانيّة المجتمع السوري من ألفه إلى يائه وأنت أعلم.. لم نستطع أن نخسر أو نفرّط باعتدادنا واعتزازنا المتواصل بملامح مدينتنا العتيقة حتى في غربتنا التي طالت عن مدينتا لأننا لا نجد فيها مربض حلم أو موطىء قدم بعدما تسلّم الكثير من الأوباش مفاتيح هذه المدينة، وعبثوا في تاريخها، ونهشوا ذاكرتها، وخرّبوا في أوصالها، وقطّعوا في أحشائها، ومزّقوا في مفاصلها، وظلّ الدمشقيون يتهامسون سرّاً، وخوفاً من بطش الطُغاة الذين لا يمثلّون رقيّك والتزامك ومسؤوليتك في شيء، وأنت الدمشقي الأصيل في الحبّ والنشأة والحضور والبصمات.

صورة ذات صلة

اذكر وزير الثقافة رياض نعسان الآغا الذي كان لاشيء، وقد أوليته كل شيء، كيف كان يضحك على ارتفاع عدد الضحايا الذين أنهت حياتهم حديقة عامة في منطقة “المرجة “، بعد أن انهارت سنوات عمرهم وجهدهم وكدحهم أمام أعينهم دفعة واحدة، حين أصابتهم بجلطة قاتلة، حين تهدّمت أبواب رزقهم، ولم يفوزوا بأكثر من تعويض هزلي لا يضمن لهم الحصول على عربية خشبيّة متنقلة بعجلتين لا أكثر، وقبلها منطقة “قصر الضيافة ” ومن ضمن المتضررين كان بيت عمي ومتجرة في المنطقة المذكورة الذي يعتبر من عمادها إذ سكنها لأكثر من خمسين سنة حين تقرر اقتلاعه منها لصالح مستثمر سعودي، والذي تسبب له بارتفاع هائل في منسوب السكر في الدم نتيجة الضغط والحزن الشديد عندما تسلّم قرار الإخلاء في غضون أيام، وكان التعويض بضعة بلوكات في ضاحية الضاحية “قدسيّا ” ففقد بصره حزنا، وفقد ساقه حزناً على الحزن، وفقد الساق الثانية لفرط الحزن، هكذا هو الدمشقي الذي يموت على دفعات عن اقتلاعه من تربته، وقبلهم سوق ساروجه، التي كانت فيها طفولتي في بيت جدي وأخوالي الذي اندثر تحت جسر الثوره بمساحته الكبيرة التي كانت تبلغ 17 غرفه يتوسطها ما يشبه الملعب الذي احتوانا جميعاً كأطفال العائلة، لنجد أنسفنا فجأة في منزل بديل بمنطقة “الأكراد ” النحّاس، بغرفتين ونصف قبو لا يعرف الشمس، ومثله بيت جدّي لوالدي قرب محافظة مدينة دمشق والذي لا تغادرني صورة البحرة التي كانت تجود بالماء على مدار العام، ومثله بيت خالي في حارة الورد، الذي أوقفت “الأونيسكو ” هدمه بناء على وثيقة حماية منها ، بعدما نشط بعض الصحافيين والأدباء والكتاب ومنهم الأديبة “ناديا خوست ” والكاتب الصحافي “وليد معماري “.

والامثلة غير المرجة وغير منطقة الضيافة وغير سوق ساروجة كمناطق دمشقية خالصة كثيرة وكثيرة جداً والتي تعتبر في صميم الداخل الدمشقي وعمقه الاستراتيجي الخاصّ والخاص جدّاً.

وهذه السفارة هي الوحيدة التي تمثل البيت الدمشقي القديم، الذي تحبّه أنتَ شخصيّاً وما من أدنى شكّ، بل تعشقه أنتَ وياسمينتك الرائعة “أسماء “.. لهذا أناشدك وبكل ثقة وودّ وتقدير باسم دمشق، واسم كل دمشقي غيور على تراثه وباسمي وباسم الحضارة الدمشقية التي يحجّون إليها في الأندلس وفي غرناطة، أستحلفك أن تمنع بيع هذه السفارة منعاً باتّاً.

صورة ذات صلة

بل لتكن بيت كل الدمشقيين بكل أنحاء العالم، الذين أناشدهم التصويت على مطلبي هذا ليرفعوا الصوت في وجه المليونين ونصف يورو التي لا تساوي شيئا في جيب مسؤول سوري واحد، وأنت تؤيدني حتماً بأنّ الإثنين مليون ونصف لن تروي جشع مسؤول واحد استمرأ لعبة الطمع والإختلاس باسم منصبه، وكم ممن أوليتهم الثقة وأتمنتَهم فخانوا الامانه، وغدروا بالثقة، وكم اختلسوا، وكم نهبوا، وكم خيبوا ظنك بهم، وخيبوا ظن المواطن وظن الوطن..

وتقبلوا مني فائق الاحترام والتقدير ..

عشتم وعاشت سوريا حرّة، مستقلّة قويّة، وعامرة بوجودك المنصف الحصيف.