الأحد , 20 سبتمبر 2020

العلاقة بين العولمة وتزايد العنف.. مواقع التواصل الاجتماعي في انتشار العنف نموذجاً

 

قاسم قصير/ كاتب ومحلل سياسي لبناني، وطالب دكتوراة في جامعة القديس يوسف

 

استهلال

هل هناك من علاقة بين العولمة وانتشار العنف في عصرنا الحالي؟ وأي دور ساهمت فيه العولمة في انتشار العنف وتوسعه في العالم؟ وكيف ساهمت مواقع التواصل الاجتماعي في انتشار العنف والارهاب في العالم بدل ان تكون عاملا ايجابيا في التواصل بين البشر والتفاعل فيما بينهم؟

سنستعرض بداية تعريف العولمة وشرح ظروف نشأة الانترنت ودور مواقع التواصل الاجتماعي وصولا للحديث عن العنف والعنف الديني والعلاقة بينها.

تعريف العولمة 

العولمة (بالإنجليزيّة: Globalization) هي ظاهرة عالميّة تسعى إلى تعزيز التكامل بين مجموعة من المجالات الماليّة، والتجاريّة، والاقتصاديّة وغيرها، كما تساهم العولمة في الربط بين القطاعات المحليّة والعالميّة؛ من خلال تعزيز انتقال الخدمات، والسلع، ورؤوس الأموال.

وتُعرَّف العولمة بأنّها عملية تطبقها المنظمات، والشركات، والمؤسسات بهدف تحقيق نفوذ مؤسسات او هيئات  دوليّة، أو توسيع عملها ليتحول من محليّ إلى عالميّ. 

من التعريفات الأخرى للعولمة : “أنها دعم القطاع التجاريّ ضمن كافة أنحاء العالم؛ وتحديداً من خلال المنشآت الكبرى التي تنتج الخدمات والسلع ضمن دول عديدة ومتنوعة”

وليس هناك تاريخ محدد وحاسم لنشوء مصطلح العولمة وظاهرة العولمة ، فهناك وجهة نظر تعيد ظهور العولمة الى القرن الرابع عشر ونشوء الشركات التجارية متعددة القوميات في حين يربطها البعض بنشوء الثورة الصناعية  في اوروبا في القرن الثامن عشر، وان كان التجلي الاهم لظاهرة العولمة قد برز في القرن العشرين ومع انتهاء الحرب العالمية الاولى وبروز المؤسسات الدولية ومن ثم بعد الحرب العالمية الثانية حيث نشأت الامم المتحدة ومؤسساتها والبنك الدولي وغير ذلك من المؤسسات الدولية التي تتحكم بشؤون العالم اقتصاديا وماليا وسياسيا وعلمياً.

وقد ساهمت العولمة في التواصل بين البشر وتسهيل انتقال الافراد والبضائع ، وشكلت تطورا مهما على الصعيد العالمي لجهة تسهيل التجارة العالمية وسرعة المواصلات ، لكنها في المقابل تركت انعكاسات سلبية على سيادة الدول وجعلت الشركات العالمية تتحكم بالاسواق التجارية ، كما انكست سلبا على سيادة الدول وحدودها ، وانتشرت ثقافات موحدة من خلال المطاعم والسينما والموسيقى والفضائيات ، وبالمقابل تراجعت الثقافات المحلية وضعف دور الاسرة والعائلة والقيم الاجتماعية، وانتشرت قيما جديدة قد تتعارض مع الاخلاقيات التي كانت سائدة في العديد من دول العالم الثالث او ما يمكن تسميته في العالم القديم ، وهذا احدث شرخا وصراعا بين الهويات في العالم.

 

حول الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي

يشكل اختراع شبكات الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي احد ابرز مظاهر العولمة في عصرنا الحالي، والانترنت عبارة عن شبكة من الاسلاك التي تربط مليارات الاجهزة حول العالم فيما يسمي الشبكة العنكبوتية.

وقد بدأ استعمال شبكة الانترنت من قبل وزارة الدفاع الاميركية ، ومن ثم بدأت بعض الجامعات والمؤسسات الحكومية الاخري في تكوين شبكاتها الخاصة، وتم الربط بين هذه الشبكات وبعضها البعض، فتوسعت هذه الشبكات بالتدريج حتي وصلت لما ندعوه اليوم الانترنت.

وقد ساهم اختراع الانترنت بتسهيل انتشار المعلومات بين انحاء العالم وتسهيل ارسال التقارير والابحاث والدراسات والصور والافلام دون اية عوائق مادية ، ولعب ذلك دورا في التواصل بين البشر وتطور العلوم، خصوصا بعد بروز محركات البحث كغوغل وغيرها.

والتطور الهام في عالم الانترنت والشبكات الالكترونية كان اختراع مواقع التواصل الاجتماعي والتي شكلت ثورة مهمة في العلاقات الاجتماعية والتواصل بين افراد البشر في كل العالم.

وتُعرف شبكات التواصل الاجتماعي بأنها “شبكات تفاعلية تتيح لمستخدميها التواصل في أي وقت وفي أي مكان في العالم”، وقد انتشرت على الشبكة الدولية للمعلومات (الإنترنت) في السنوات الأخيرة، ومن أبرزها “فيسبوك” و”تويتر” و”يوتيوب” و”انستغرام” و”تيليغرام” وغيرها من المواقع التفاعلية ، لتحدث في زمن قياسي تأثيراً عابراً للحدود، وتزيد من كثافة وسرعة الحركة “العولمية” والتأثيرات المتبادلة على المستويات المختلفة، بحيث أضحى أي تفاعل يحدث في أي منطقة في العالم يترك تأثيره في المناطق الأخرى في ظل ما يطلق عليه المفكر الأمريكي، جوزيف ناي، “تأثير النظام”. System Effect)).

ومع تزايد اعتماد الفاعلين من غير الدول في تحركاتهم الخارجية على الجمع بين أدوات القوة الناعمة والصلبة، ارتفع الاعتماد على هذه الشبكات. فحتى الجماعات المسلحة والجيوش لم تعد تعتمد على القوة العسكرية فقط في تحقيق أهدافها، بل تلجأ إلى استخدام وسائل الاتصال والإعلام وشبكة الإنترنت بشكل واسع ودعائي لأفكارها وتحركاتها، وأيضاً للحصول على الدعم المادي والمعنوي، ووقد عمدت جماعات العنف والعنف الديني لاستخدام مواقع التواصل الاجتماعي أداة  جديدة لنشر أفكارها ومعتقداتها وزيادة عدد المنتمين لها عبر تجنيدهم باستخدام تلك المواقع العابرة للحدود ، ومن دون استخدام تلك الأدوات، لم يكن بمقدور هذه التنظيمات أن تحقق أهدافها مع توفير ذلك الوقت والجهد، بالإضافة لميزة الابتعاد والتخفي بعيداً عن قبضة الأجهزة الأمنية للدول المستهدفة.

 

مميزات مواقع التواصل الاجتماعي

من مميزات مواقع التواصل الاجتماعي والفوائد التي تترتب على استعمالها، يمكن ايراد النقاط الآتية: 

أولاً: عدم وجود اعباء مادية كبيرة نظرا لقلة التكاليف التي تدفع مقابل استخدام هذه الشبكات والمواقع وسهولة الاستخدام وعدم الحاجة لتقنيات متطورة او ذات تكاليف عالية.

ثانياً: سهولة الوصول الى أوسع شريحة من الأفراد سواء كانوا منتمين للجماعات المسلحة أو من الذين يمكن دعوتهم للانضمام لهذه الجماعات.

ثالثاً: القدرة على تجاوز المشاكل والعقبات الامنية والهرب من الملاحقات أو الحواجز او التعقبات مما يتيح اختراق الحدود ومختلف المناطق والوصول الى داخل المؤسسات والدول بسهولة.

رابعاً: تتيح شبكات التواصل تشكيل مجموعات خاصة والتفاعل فيم بينها بعيدا عن الرقابة أو الموانع الجغرافية والمادية، ويمكن لهذه المجموعات عقد اللقاءات والتفاعل فيما بينها وتبادل الخبرات والمعلومات.

خامساً: تساعد شبكات التواصل في تعزيز روح الانتماء عند الأفراد الذين يتواصلون فيما بينهم مما يساعدهم في تجاوز المشاكل النفسية ويمنحهم القوة والطاقة على التفعال والتعاون وتنفيذ المهمات المطلوبة منهم.

 

يتـــــــــــــبع…..