السبت , 3 ديسمبر 2022

نَعَمْ هِيَ الأُولَى

 

غادا فؤاد السمّان/ شاعرة وكاتبة دمشقيّة – بيروت

تابعنا في الأسبوع الماضي بعض المرافعات من جلسات الدفاع في المحكمة الدولية، التي نقلتها معظم شاشات التلفزة اللبنانية، بجميع مجرياتها التفصيليّة، بعد انقطاع طويل عن انعقاد جلساتها كادت الأذهان تجزم بإنهاء هذه المحكمة التي طال فيها التداول، لأحداث اغتيال الرئيس “رفيق الحريري ” رحمه الله، والتي قاربت السنة الثالثة بعد عقد كامل من الزمن، لا تزال فيه الحقيقة غائبة نسبيّاً أو مغيّبة فعلياً، وعلى هامش تلك السنوات شهدنا الكثير من الأحكام الجاهزة التي أطلقت جزافاً، من باب التكهّن والإفتراء والكيْديات السياسية التي لا تخفى على أحد، لتأتِ هذه الجلسات الأخيرة على الرغم من إيقاعها البطيء لتدحض الكثير من المزاعم السابقة، أهمّها جلسة الاستماع إلى الفترة الواقعة في العام -1992 – والتي تمّ فيها تكليف الرئيس الحريري برئاسة الحكومة اللبنانية وتشكيلها للمرة الأولى بعد أن وضعتْ الحرب اللبنانية أوزارها، وبدأتْ الحياة الدستورية تستعيد ملامحها الرسمية آنذاك، بمشهديّة شفاهيّة وافية قدّمها محامي الدفاع “إميل عون” بهدوء تام، وموضوعية لافتة، وثقة عالية بالورق الذي صبّ فيه عصارة حنكته القانونية وحججه المنطقية، مبيّناً طبيعة علاقة السيد رفيق الحريري مع دمشق، والتي كانت هي تحديداً بوابة الاتّفاق لرئاسة الحكومة اللبنانية، باليوم والساعة والمحضر والتاريخ والحضور، وهنا كان اللافت الأكبر في جلسة الاستماع حضور اسم “شارل أيوب ” في المحكمة الدولية الذي جاء ذِكره على لسان محامي الدفاع إميل عون للمرة الأولى، وبدأ يتكرّر تِباعاًعلى لسان القاضي لعدة مرات متتالية من باب المساجلة في توضيح وتوثيق المرحلة المذكورة حيث أنّ السيد شارل أيوب كان الصحافي الأول الذي خرج مع السيد رفيق الحريري من القصر الجمهوري في دمشق بعد لقاء الرئيس “بشار الأسد ” وأعلن أمر “تكليف ” الرئيس الحريري برئاسة الحكومة اللبنانية وإسناد مهمة تشكيل الحكومة للمرة الأولى بعد 17 سنة من الحرب المستعرة التي أسقطت جميع أركان الدولة في حينه، وكانت الديار السباقة رغم انطلاقتها الحديثة آنذاك لنشر خبر تكليف الرئيس الحريري الذي تمّت مباركته وتأييده والموافقة عليه في دمشق، ولم يمرّ اسم شارل ايوب واسم جريدة الديار على قاضي المحكمة الدولية مرور الكرام، بل استوقف القاضي “راي ” وبحث مع محامي الدفاع السيد عون أدقّ تفاصيل ما جاء على لسان السيد أيوب الذي لم يتكرر اسمه وحسب، بل تفرّد اسم شارل أيوب في هذه الجلسة كناطق رسمي باسم السيد الحريري، وملأ اسم جريدة الديار أثير جميع الشاشات التي تنقل الحدث نقلاً مباشراً، بما فيها الشاشات التي تملك حساسية مضاعفة من اسم الديار أولا ومن اسم شارل أيوب ثانيا، ولو قدّر لها أن تقطع البثّ في هذه الأثناء التي مرّت كدهر على خصوم الديار وصاحبها لما تأخّرت لكن الضرورة الإعلامية لها مقتضياتها الموجبة، ناهيك عن غصّة معظم الصحف ورؤساء تحريرها الذين كانوا قطعاً يتمنّون في تلك اللحظة أن يكونوا مكان الديار ومكان أيوب دون أدنى شك، ليتكرر اسمهم واسم صحفهم ويكرّس دورهم وصلاحياتهم كما كرّست المحكمة الدولية اسم ودور وصلاحية الديار والأيوب، في مرحلة غائمة من مراحل الصحافة اللبنانية عموماً، ومرحلة شائكة من مراحل الديار وصاحبها خصوصاً، وليت المحاكم المحلية تتّعظ من هذه الفقرة اللافتة واللامعة من مجريات المحكمة الدولية والتي تابعتها لا أخفي بشغف كبير واعتزاز أكبر، ومما زاد في حماسة المتابعة أن اسم الديار وصاحبها كانا قيد التداول لدقائق طويلة أخذت حيّزاً وافياً من خلال وقت مقرّر ومحسوب لتقديم الدفاع ينقله البث الإعلامي عبر الاقمار الصناعية بتكاليف باهظة محسوبة باللحظة، وللأمانة الأدبية مع ذاتي أولاً لا بدّ أن أشير عن خلفية تناول هذه الفقرة تحديداً والكتابة عنها بهذه الدقّة، وهذا الإهتمام، فالكثير ممن يتابعني على صفحات التواصل والذي يعتبر رقماً لافتاً لإدارة الفيس قبل أن يكون لافتاً لي شخصياً، والتي تحرص أن تزّودني عن تقارير متعاقبة شبه يومية، عن عدد المتابعين المتصاعد، والذي قارب ال 9000 آلاف متابع، رغم أنني الكسولة بجميع المقاييس، والأقرب للعزلة بمجمل الأوقات، والمحتجبة عن المباخر والمنابر والاستعراضات التي يعتمدها معظم حملة الأقلام، إلا أنني اعتمدت صيغة دائمة لنشر مقالاتي في صحيفة الديار أكتبها على وسائل التواصل بالشكل التالي: مقالتي اليوم في الديار الصحيفة اللبنانية “الأولى “، وأؤكد على الأول بتكريسها بين قوسين، ولم أكن أعلم أن نشر هذه الصيغة، ستسبب للصحفيين وللزملاء وحتى للأصدقاء منهم الكثير من الحساسية المفرطة، وصلت لدى البعض إلى حدّ العتب الشديد، ولدى البعض الآخر إلى المواجهة الحادّة، ولدى البعض إلى الخصومة، وغيرهم إلى المقاطعة، والجميع يعترض على تدويني تلك العبارة وخاصّة تكريس تلك المفردة فيها بصفة الديار الجريد اللبنانية “الأولى “، ولا أخفي أنني كنت أكتب كلمة الأولى بسياق عفوي حسبما أراه وأتمناه، لكنني وبعد متابعة اسم الديار في المحكمة الديار كشاهد حقّ وتوثيق أوحد على العلاقة الرسمية بين الشهيد الحريري وسورية، فقد بدأت ملامح الكلمة تختلف بالنسبة لي فقد أصبحت أعنيها، وأتحيّز لها، وأؤمن أنّ الديار هي الأولى وإن كَرِهَ الكارهون.

 

خاصّ – إلّا –