الجمعة , 28 فبراير 2020

حكمُ الرِدّة.. إذْ ينفّذه الجهَلة!

ياقوت الأحمد دندشي/ إعلامية لبنانية – طرابلس

بسبب قوله “حلّ عن ربي”، شُق صدر المواطن اللبناني محمد الدهيبي بـ ساطور وانتُزعَ قلبُه، لأن أحدهم اعتبرها “كفراً”.
أجل يا سادة، هذا المشهد الوحشيّ وقع في لبنان، في عصر الثورات العلمية والتكنولوجية.

تفاصيل الجريمة تقول إنه مساء السبت 25 آب/أغسطس 2018، وفيما كان محمد عادل الدهيبي (من بلدة النبي يوشع) يتبضّع من أحد المتاجر في بلدة برج اليهودية قضاء الضنية شمال لبنان، استهجن غلاء الأسعار بألفاظٍ غير لائقة بحضور خ.دهيبي، وهو إمام مسجد من بلدة دير عمار. الأخير تدخّل واستنكر هذه الألفاظ، فردّ عليه محمد: “حلّ عن ربّي، شو إنت الله لتحاسبني..؟”.

نتيجة بحث الصور عن محمد عادل الدهيبي
المشهد لم ينتهِ هنا، فالإمام “الغيّور” على الذات الإلهية، تبيّن أنه غادر المتجر ليعود مع أخويه متسلحين بـ”السلاح الأبيض”، متأبطين شراً، فما كان منهم إلا أن باغتوا محمد وقطعوا عليه الطريق وباشروا بالاعتداء المتوحش عليه، فذبحوه ونكّلوا بجثته على الطريقة التكفيرية.
شهود عيان أكدوا أنّ إمام المسجد ومن معه من “حماة الدين ” ذبحوا محمد بواسطة ساطور وانهالوا عليه بالطعنات، وانتزعوا قلبه وقطعوا أوصاله، في مشهدٍ يعكس ما يُنقلُ عن الإسلام حول فتوى حكم المرتد، ثم سلّموا أنفسهم إلى مخابرات الجيش مرفوعي الرأس فخورين بـ”إنجازهم” الدموي زَوداً عن الدين ورب الدين.

لكن “الإمام” ورفاقه في الجريمة فاتهم أن حكم قتل المرتد، حتى لو كنا في دولة خلافةٍ تطبق الشرائع الإسلامية، لا يمكن أن يُطبّق إلا بشروط.
فالحكم على المرتد لا يكون إلا من قبل القضاء الشرعي، والتنفيذ لا يكون إلا من قبل وليّ أمر المسلمين، ولا يجوز الحكم على شخص معيّن بالردّة أو تنفيذ الحكم عليه إلا إذا توفّرت الشروط وانتفت الموانع، وفي حال توفّر الشروط وانتفاء الموانع يجب على ولي الأمر أن لا يعمد إلى تنفيذ الحكم إلا بعد الاستتابة ما رُجِيت توبةُ المرتد، ومحاولة إقناعه بالرجوع إلى الإسلام “بالتي هي أحسن “، فإن لم يتُبْ وكان في حياته مفسدة عامة يُخشى من تبعاتها وانتشار الفتنة بسببها، استحقّ القتل.

لا بدّ من الحديث قبل كلِّ شيء عن الثغرات في الجريمة حتى من الناحية الشرعية الأكثر تشدّداً، التي تنادي بقتلِ المرتدّ وجعله عبرة لمن يعتبر. وبما أننا في زمانٍ باتت فيه المجتمعات والأعراق والأصوليات على اختلافها مفتوحةً بعضها على بعض، وبما أن الإيمان بالجنة والنار ليس ثابتاً عند كلّ البشر، فإليكم كلاماً بمنطقِ المؤمنين تعليقاً على الجريمة الوحشية…
– أولاً: نحن لسنا جزءاً من دولة “خلافة “، ولبنان كبلد لا يطبق الشريعة الإسلامية.
– ثانياً: حضرة “الإمام ” المجرم، أنتَ لستَ القضاء الشرعي ولا تمثّله في أيّ شكل من الأشكال لتخضع الضحية للمحاكمة.
– ثالثاً: أنتَ لستَ وليّ أمر المسلمين، وحرمت ضحيتك “المراحل الشرعية ” في حالة الرِدّة، من حيث الاستتابة قبل تنفيذ العقاب.
– رابعاً: لو أراد الله أن يكون كلُّ البشرِ متشابهينَ في الإيمان والمعتقد، لما خلق النار بموازاةِ الجنة، ولكنّا جميعنا مؤمنين بالله الواحد والجنة، دون نار، وما إلى هنالك من تفاصيل الإيمان والإسلام.
– خامساً: حكم الردّة لا يطبّق مزاجيّاً كما لو كنا في غابة، ولم يطبّق مطلقاً في عهد الرسول محمد عليه الصلاة والسلام. ولا في زمن الخلفاء الراشدين إلا مقترناً بحكم “الحرابة “، الخروج على النظام العام بالسلاح وترويع الناس. وأول ما طُبّق في العهد الذي تلا وفاة الرسول محمد عليه الصلاة والسلام، حيث كثر المرتدون ومُدَّعُوا النبوّةِ من الغاوين والمنافقين، بطريقة هدّدت جسد الإسلام بالتفكّك كونه كان لا يزال حديث الولادة.
– سادساً: لو سلّمنا جدلاً أن كل ملابسات الحالة أمامنا تستدعي ما اقترفتموه من وحشية بلا حقٍ منكم أو سلطان من الله، فما قولكم في قول الله تعالى: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ … (33)
العقاب، بعد أن يستوفي شروطه، ووفقاً للآية نفسها التي تبرعون في التلطّي خلفها، لا يشترط القتل، بل يقدّم بدائل عدّة منها النفي من البلد. فبأيّ حجّة لجأتم إلى القتل الفوري وعلى أي أساس “شرعي “..؟
سابعاً: عندما قال الله ” يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ” أكملَها بـ “لِتعارفوا “، لم يقُل لـتقاتلوا. أما عن تحديد الكفر والإدانة به والمحاسبة عليه، فهي أمورٌ لله وحده، يغفر لمن يشاء، ويعذّب من يشاء، ولستم أنتم أو غيركم وكلاءه على الأرض.

بمنظق المؤمنين، التعرّضُ للذات الإلهية خطيئة، لكنّ الرد عليها بجريمة هو خطيئة أعظم. والمعروف أن كلمة “رب ” لا تعني “الله” بالضرورة، بل قد تعني الشخص المسؤول فهناك (أرباب العمل، وأيضاً ربّ المنزل…)، ووحدهم الجاهلون يحصرونها بهذا المعنى الضيق. والطامّة الكبرى أن مرتكب الجريمة هو إمام مسجد، ونسي أو تناسى هذه الجزئية، رغم أنها واضحة في القرآن الكريم في سورة يوسف:
“يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا…” 40
“وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ…” 41
فهل كان النبي يوسف كافراً والعياذ بالله!

ولأننا في زمنِ انتشار المتطرفين التكفيريين ، فلا شك أن هذه الجريمة تحاكي الفكر الداعشيّ الذي سبق أن شهدناه على مدى السنوات الأخيرة في المناطق التي كان يسيطر عليها التنظيم في سوريا والعراق وليبيا ومصر، ودول عدّة من العالم عبر عمليات انتحارية أودت بأرواح الأبرياء الآمنين، رغم أن الآية الصريحة تحرّم التعرّض لهم: “لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ” (8)

وفي حديثٍ مع سماحة الشيخ مصطفى ملص، فقد رأى أنّ المسؤولية عن الجريمة تتقاسمها أكثر من جهة وهي:
1- الأحزاب والجهات السياسية التي أتاحت لهذا الفكر ودُعاته حرية الحركة في الواقع السنّي وقدّمت له الدعم سرّاً وعلانية على أمل أن تستفيد من وجوده وقوّته في مواجهتها مع خصومها على الساحة اللبنانية، حتى أن دوائر الأوقاف الإسلامية أتاحت لهم المنابر والمساجد وأبعدت عنها كل من لا ينسجم مع التوجّه السلفي أو السياسي المنسجم مع ميول دار الفتوى.

نتيجة بحث الصور عن الشيخ مصطفى ملص

سماحة الشيخ اللبناني – مصطفى ملص –

2- المعاهد والمدارس الدينية التي تتبنى وللأسف مناهج دراسية تحتوي على مواد تمجّد القتل وسفك الدماء في سبيل الدين بزعمها، وتقدم نماذج بشرية تاريخية مارست العنف ضد الآخر باعتبارها قدوة ومثالاً لنشر الدين والدفاع عنه، كما أنها تعزز فكرة التمييز العنصري بدل فكرة الإخاء الإنساني، وتحرّض على غير المؤمن، باعتباره عدوّاً وتنسى أن هذا الكافر أو غير المؤمن هو مشروع عمل لنشر الهداية والإيمان .
3- انتشار المساجد التي تقام فيها صلاة الجمعة بشكل مَرَضيّ يخالف رأي فقهاء المذاهب الإسلامية، والعجز عن تأمين الخطباء ذوي المؤهل العلمي المطلوب للخطيب والواعظ، مما فتح المجال أمام الجهلة وأدعياء العلم لاعتلاء المنابر وبث المفاهيم الدينية الخاطئة والسيئة.
4- انتشار ثقافة التحريض والعداء والكراهية واستجابة الناس لدعاة التحريض وإظهار التأييد لهم وذلك بالإقبال على المساجد التي يبث خطباؤها دعاوى التحريض، حتى أصبح التحريض سبيل النجاح عند الخطباء.
5- عدم قيام دور الفتوى ودوائر الأوقاف بدورها في مراقبة مضمون خطب الجمعة في المساجد ولا مجمل الخطاب الديني.
وأضاف الشيخ ملص أنه قد لا تكون الجهات الواردة أعلاه هي الوحيدة المسؤولة ولكن لا بد من إطلاق صرخة لتحديد مكامن الخطر الذي وصلَ شرّه إلى داخل البيت الواحد والأسرة الواحدة. كما رأى أن الضحايا كثر، بمن فيهم مقترفو الجريمة أنفسهم مستندين إلى الفكر التكفيري الإرهابي العقيم الذي كثر دعاته والمقتنعون به بين الناس نتيجة الدعم المالي والسياسي والإعلامي، إلى جانب المساجد وأئمّتها والمتديّنين عامّةً وإن كانوا لا يحملون فكر التكفير.

 

خاصّ – إلّا –

2 تعليقان

  1. قد أصبتِ كبد الحقيقة يا عزيزتي ونسأل الله أن يهيأ لنا من أمرنا رشدا.

    • ياقوت دندشي

      اللهم آمين.. شكراً صديقي.. مهمتنا جميعاً أن نصدَّ الجهلَ بالمعرفة.. لأنها سلاحنا الوحيد.. تقديري واحترامي