×

سَطو عن سَطو… ” بيفرق “

سَطو عن سَطو… ” بيفرق “

أيمن الخطيب / كاتب فلسطيني وناشط سياسي – عمّان -الأردن

لن أنسجم تماما مع الطرح الذي يتناول مسلسلات السطو المسلح _ التي إستهدفت ولا تزال القطاع المصرفي في الأردن _ على أنها مؤامرة تأتي في سياق التعمية والتغطية عن سطوٍ أكبر يحدث في الحدائق الخلفية يقودها عصابات محترفة أكثر بربطات عنق ولا تضع لثاما، و بنفس الوقت لن ألغي هذه الفكرة من البال ولا يجوز أن نلغيها أبدا.

هناك مساحة مريحة بين الموقفين تماما لإستقبال ما يجري من جريمة وتحديد نقاطها الحرجة وتفكيك مكوناتها والوقوف على أسبابها وربطها بأمور أكبر و أشمل.

في عام 1988 مثلاً.. تم سرقة احتياطي الذهب في البنك المركزي وكشفت توجان فيصل عن ملابسات هذه الجريمة والتي أودت في الإقتصاد المحلي للهاوية وكسرت أضلاعه حتى هذه اللحظة، وما كان للمسؤول الذي أدين بهذه العملية سوى أن قال ” بلاش ما نكشف المستور والمستورة “، وطوي الملف وأغلق وفتح معه ملفات لنهج جديد للاقتصاد المحلي مرتبط كليا بصندق النقد الدولي والبنك الدولي.

في العودة لسياق المقال، ثم ربط لاحقا حالات السطو الشبه يومية مع حادثة عام 1988 نستطيع أن نلحظ ما يلي:

أولا : تآكل الطبقة الوسطى جراء العسف الاقتصادي الذي تشنّه الحكومة منذ سنوات طويلة، دفع ليس فقط لرد فعل جُرمي إنما أيضا وهذا ما هو أخطر إلى إستحسان وقبول لهذا السلوك تحت حجج و مبرّرات الفقر والبطالة والجوع التي تسببّت فيه كل الأجهزة المشغّلة من قبل صندوق النقد الدولي.

حالة السطو المتكرّرة باتت تعكس مزاجا عامّاً ينذر بانفلات أمني حقيقي ويشي بمقدار لا يستهان به من تفشي حالة الإحتقان والضيق لدى المواطن والذي لن يوفر أي وسيلة في سبيل تأمين رغيف الخبز .

ثانيا : لا يمكن عزل ما يحدث عن الصراع الحقيقي الذي يحدث داخل تيارات العمل السياسي والاقتصادي والأمني في منظومة الدولة الاردنية، منذ أحداث الكرك وبات واضحا أن تصفية حساب من النوع الثقيل تجري بين تيار البيروقراط الكلاسيكي الذي تم سحب السجاد من تحت أقدامه وبين تيار نيوليبرالي يتشكل بناء على إستجابة الاردن الرسمي لواقع جيوسياسي اقليمي ودولي جديدين، كلا التياران يملكان أدوات على الأرض يتمّ استخدامها بعناية في محاولة لتغيير معادلة او تثبيتها و أعتقد أن أحد صور السطو في بعدها الأمني تندرج تحت مظلة التصفية بين جناحين يخوضان حرب المنفعة والمكاسب بضراوة .

ثالثا : تأتي هذه الأحداث في تزامن مهم مع ملفات كبيرة تطرحها السلطة السياسية جملة واحدة على الطاولة، وعلينا أن لا نغفل جولات المفاوضات بين الاردن وصندوق النقد الدولي التي تجاوزت الجولة الثانية والتي من المقرر أن تأتي بقرارت أكثر صعوبة على المواطن الأردني وأثرها على وضع الإقتصاد في المرحلة المقبلة، وما يجري في ظل هذه المفاوضات من دخول جبهة ثالثة تسمى شركات الأمن والحماية على خطّ المنفعة والقرار والتأثير هذا من جهة.

من جهة أخرى، الموقف الحرج الذي يجد الاردن الرسمي نفسه فيه اليوم، مقابل جملة قضايا سياسية أمنية إقليمية تهدّد كل من الموقع والموقف للاردن، يدفع المركز الأمني الضيق الذي دأب وحرص على تصدير الأزمات لإيجاد بوابات لذلك، أحدها إشغال الشعب ووعيه وتوجيه رأيه العام لمشاكل يومية تسمح لأصحاب القرار الضيق بالمناورة أكثر وكسب مزيد من الوقت وتمرير صفقات يبدو أن لا مجال للهرب منها.

رابعا : ما حدث في عام 1988 يتوّج بلا منازع حفلة السلوك غير القبول إجتماعيا ولا ثقافيا، لأن أكثر من ثلاثين عاما جرى فيها إستئصال وابتلاع للطبقة الوسطى و مسح الطبقة الفقيرة لصالح 1% فقط يعني بالضرورة إنتقال المشكلة والصراع الى مناطق أكثر خطورة تتناول السلم المجتمعي والنسيج الإجتماعي والهوية الوطنية .

في النهاية، على مخرجي المسرحية أن ينتبهوا جيّدا للحيلولة دون الانغماس، في الدور حتى لا تصير الدولة مزرعة نهب كبيرة، وعلى الجميع أن يعرف أن مسدسات البلاستك يمكن لها ان تتحول الى قنابل موقوتة هذا صحيح، لكن السطو الأكبر يجري منذ زمن طويل على الوطن والوعي والثروات ومصير الشعب ، وسطو عن سطو ” بيفرق “، بيفرق كثير … …..

 

خاصّ – إلا –

 

You May Have Missed