الخميس , 11 أغسطس 2022

يوميات مراهق في الأربعينات ح – 2 –

د. سلطان العمري/ كاتب وطبيب جرّاح وأكاديمي سعودي – الإمارات دبي

ياله من سؤال صعب، والأصعب عندما يخرج من عقلك الباطن ليدخل في  عقلك الظاهر بدون استئذان وبدون مقدمات، موجّهاً من ذاتك ليسدّد في ذاتك مباشرة وبتركيزٍ عالٍ جداً، السؤال التالي:

“كيف تكون نفسك عدوة لك” ؟،

وتبدأ رحلة التحليل والتركيب والاستنتاج، إذ لابدّ أن يكون ذلك عندما تخرج النفس عن سيطرةِ صاحبها، فتأمره بعمل الخطأ، و تحثّه على الكرهِ، بل على افتعاله، وربما تتمادى بالتحريض لتحضّه على أذيّة الآخرين بالتجنّي والتشفّي، تحت طائلة شعورٍ سيّءٍ للغاية يستبدّ بك، ليلزمك عدم الصفح واستحالة الغفران.

وتستمرّ رحلة المحاولة والتحايل على النفس لقبول السلام، بإملاءات متواصلة حول ضرورة الحب و مرورنة المودّة مع الآخرين وأهميّتها، لخلقِ مجالٍ حيويٍّ لمنطقةٍ آمنةٍ مع الذات ومع المحيط، اعتباراً من الابتسامة كعنوان واضح وصريح للسعادة، والفرح، والغبطة، والسرور.. حين تحسم المسافة بينك وبينك بنزعِ فتيل المشاكل، و هدم مدماك الكُرِه، و استئصال ورم الأحقاد بمبضعٍ حادٍّ جداً تقدّر أهميته أيّما تقدير.

غنائمك في ذلك كلّه، التأسيس لمخطّط استراتيجي، يعيد هيكلة وبناء الذات، كنواة للخلايا الكيانية الناشطة، والفاعلة في بناء المجتمع، و بناء الأسرة، و بناء العلاقات الحميمة الصادقة الصريحة، مع الآخرين، بخلع أنياب الفظاظة، وهدر سموم الغلظة والغيظ والاستفزاز المُغرض.

هكذا وبقليل من الحكمة والحنكة وبكثير من العزم والإرادة، تحرّرتُ أخيراً من قيود العمل ولم أدعه يستهلكني حتى آخر رمق، بل استهلكته بما تيسّر لي من نوايا وتطلعات.

لكنّ الدائرة المغلقة لم تنفرج أساريرها بعد.. لتنفرج بالتالي أساريري شخصيّاً، إذ لا يزال ثمّة ملاحقَ مُلحّة للسؤال ستتعاقب تباعاً، وباطّراد مستمر كيلا تتيح لي أيّ فاصل روحيٍّ للهدوء النفسي أو للسكينة الذاتية، حين اقتحم أعماقي مُجَدّداً على النحو التالي:

“كيف أتحرّر من قيود الأسرة كما تحرّرت من روتين العمل وإرهاقه، هل أخرج من مدينتي أشكّل فراراً كما محارب هارب من الجبهة؟

ويستدرك الخاطر على الفور بالتداعيات وتأنيب الذات والقول: لكنّ أبنائي سيظلون هم أبنائي..!

إذاً سألجؤ إلى التجديد في طبيعة علاقاتي الأُسريّة، وسأعتمد سياسة مغايرة لسياساتي السابقة، وكان لا بدّ من إعلان الثورة على نظام العائلة القائم في حياتي التي بدأتْ تجنح إلى السأم والسخط، بدلاً من السلم والسَكِينة، وكان لابدّ من خروجي عن المألوف ليقيني أنه سيجعلني أحسّ بالحرية.

إنّها لحظات الحسم ولابدّ من المواجهة، فلا العلاجات المزمنة كانت ناجعة، ولا العناية الفائقة أضافت حلّ، ودخلتُ منزلي كجنديٍّ مجهول، بخطوات ثابتة ومتينة لكنها لم تكن تخلُ من بعض الأضطراب، وكلّي تأهّب لأذيع قراري بإعلان رغبتي وبدون تردد في “الحريّة “..

إلا أنني فوجئت بما لم أكن أتوقع حيث أنني لم أكن الأبّ الوحيد في تلك العشيّة، بل خُلْتُ أنه كان هناك ثلاثة آباء بانتظاري ينظرون نظرة موحّدة إليّ، نظره مكتظّة بالتهديد والوعيد، و النهي التام عن الخروج عن المألوف، وإذ بإحداهن تصرخ محرّضة نظيراتها: أيّة حريّة؟!

وردّدن البقيّة: نحن نطالب بالمساواة والخروج من التفرقه بين الرجل والمرأة، انظر إلى حالك.. أنتَ متزوّج من ثلاثة نساء، و نحن لا يحقّ لنا الزواج، إلا من رجلٍ واحد، و أنتم أنتم، و نحن و أنتم، ونحن…. وشَرَعَتْ كل زوجةٍ، تطلق عليّ نار المدفعيّة دون رفّة جفن، فوجدتُ نفسي حائراً خائراً لا أملك أيّة خطّة للدفاع عن النفس سوى الهرب من المنزل إلا أنّني تذكّرت كلامي في التجديد و التغيير و السلام النفسي، فانتظرتُ حتى انتهت عاصفة “الحسم ” وفرغن من قذف حمم المدافع الموجّهة إليّ، و قلتُ مخاطباً مندوبتهنّ في الإعتراض والتفاوض: صدقتِ يا سيّدتي.. معكِ حقّ، يجب أن نرفع شعار المساواه بين الرجل و المرأة، وحوّلت نظري إلى نظيراتها، مخاطباً وواعظاً: ولكن حبيباتي من منا المظلوم و من منا الذي يأخذ ولا يعطي، فلنرجع إلى الإسلام، طالما نحن مسلمون والإسلام مرجعيتنا وكتاب الله دستورنا، فبتقديركنّ بماذا ميّز الله الرجل عن المرأة….!؟

ففي القرآن الكريم آيات كثيرة تنصف المرأة حتى أنه خصّ المرأة في سورة النساء، ولم يخص الله لنا سورة للرجال، كما وعد الله الرحم ” أن يصل مـن وصلها ويقطع من قطعها ” و الرحم وأنتنّ أعلم محمولة في بطون النساء ولا علاقة لها بتكوين الرجل من بعيد أو قريب، وليس القرآن الكريم وحسب كانت صفحاته وآياته الكريمة حليفة المرأة، بل أمّرّنا رسولنا الكريم بالإحسان مؤكّداً ومشدّداً: ” أمك ثم أمك ثم أمك ثم أبوك “، ناهيك عن أنّ الله تعالى قد أعطى المرأة نصف حصّة الرجل في الميراث، ولكن لم يكلّفها بالانفاق منه بشيء، أمّا الرجل فقد أعطاه ضعف نصيب المرأة، ورغم ذلك أمره بالانفاق، كل ذلك وهناك المزيد حين أعطى الله الرجل الشرعيّة بأن يتزوّج أربع، في حين أنّ المرأة، كتب لها أن تتزوّج من رجل واحدٍ لا غير، فإذا تفكّرنا في هذا الأمر، نجد أن الرجل مكلّف كل ليلة بأن يمتّع إحدى زوجاته، وبذلك فهو يعمل على مدار الشهر في مدار الشهر كل ليلة، و ينفق على زوجاته الأربع على امتداد الشهر دون رأفةٍ منهنّ أو رحمة.

أما المرأة فإنّها مكلّفه بأن تمتّع زوجها مرّة واحدة كل أربعة أيام، هذا في حال التزمت روتينية العلاقة ورتابتها، وبجميع الأحوال فهي تأخذ نفقتها أيام الشهر كاملة حتى لو لم تلتزم، و بناءً على تذمّركنّ فأنا أوافق على المساواة، شرط أن تضعنَ باعتباركنّ هذه المفارقات “المالية ” والمادية، وفق حساباتها وتناقضاتها، فهل لا يزال الإصرار على المساواة قائماً؟ وقد خصّ الله المرأة في الإسلام، بما لم يخصّها بأي تنظيم اجتماعي أو دين آخر على وجه الأرض.. فخيّم الوجوم وكان الصمت مطبقا على الجميع وبدأن زوجاتي العزيزات، يتقهقرن ويعلنّ تراجعهن وانسحابهنّ ويطالبن بهدنة فورية عاجلة على مستوى الحدث، وكدتُ أسمعهنّ وهن يوبخنَ أنفسهنّ ويؤكدن في قرارتهنّ قائلات: لاشكّ ودون ريب أننا أعداء أنفسنا…. !

خاصّ – إلّا – 

تعليق واحد