الأحد , 18 أبريل 2021

حمّى إعلانات الفضائيّات “المصريّة ” بين المنشّط الجنسيّ وتصليح الغسالات وتخفيف الوزن… توصل إلى التوحّد الاجتماعيّ!

جهاد أيوب / كاتب وإعلامي وناقد فنّي لبناني – الجنوب

 
تحتل إعلانات التقوية الجنسيّة أو المنشّط الجنسي عند الذكور، وأدوية الريجيم، وقتل الحشرات، وتصليح الغسالات، والتبصير المرتبة الأولى في الإعلانات المصرية، وذلك في السنوات العشر الأخيرة من وجود الفضائيات المصرية، وتكاد ولا فضائية مصرية تستطيع تخطي هذه النوعية من الإعلانات أو الانفلات منها!
 
نتابع بشغف غالبيّة المحطات المصريّة لأسباب كثيرة، أوّلها هي بعيدة عن الكورونا، وكأن هذه الجرثومة لا يعرفونها، ولم تصلهم، أيضاً لا تهتمّ كثيراً بالأخبار السياسيّة والنقّ المعهود في محطات زميلة أخرى كاللبنانية مثلاً!
 
ثانياً كلبناني وكعربي، القنوات المصرية تفتخر بمصريتها جداً جداً، على عكس ما لدينا من براكين الحقد التي تصيب كل الوطن بمن حمل، وتزوير للحقائق في غالبية الفضائيات اللبنانية والعربية، لا بل نجد لدينا كمّاً كبيراً من قتل الذات، وتجريم اللغة والصورة ضدّ مَن يعيش معك، وأصبحت فضائياتنا اللبنانية مدمنة على الحقد الدامي، وتأليف ما يشوّه الإنسان ومرايا ذواتنا المتآمرة علينا!
 
ثالثاً غالبيّة الفضائيات المصرية والتي تصل إلى أكثر من 150 أو 200 قناة وليست كلها تهتم بالذاكرة الثقافيّة والفنيّة، ولم يعد لديها مشكلة مع شخصيات الماضي السياسي من حكّام مصر، لا بل تعرض السير الذاتية خارج عقدة الحاكم الحالي، وتعرض أغنياتٍ شخصيّةٍ تمتدحهم لكبار المطربين، وتتغزّل بهم من الملك فاروق إلى جمال عبد الناصر وأنور السادات وحسني مبارك من دون أيّ حذف أو حذر…
والأهم الاهتمام المتواصل بالقديم الذي أسّس، وشكّل شراكة عربيّة، ليزرع ثقافة وقيمة نلتقي عبرها مع شخصيات فنيّة وإعلاميّة وأدبيّة، قرأنا لها ولم نتعرّف عليها إلا من خلال الصورة والكتب، نلتقي بالصوت والصورة في برامج حوارية نادرة ولا نلتفت إلى طريقة وأسلوب التقديم، نلتقي باندهاش مع توفيق الحكيم، وطه حسين، وإحسان عبد القدوس، ويوسف السباعي، ويوسف ادريس، ونجيب محفوظ، ومحمد عبد الوهاب، وأم كلثوم، وفريد الاطرش، وصباح، وشادية، وعبد الحليم، وكمال الطويل، ومحمد الموجي، وبليغ حمدي، وكمال الشيخ، وهنري بركات، وسعيد مرزوق، وفاتن حمامة، وأمينة رزق، وعبد المنعم مدبولي، وفؤاد المهندس، وسهرة نادرة تُعاد دائماً مع بدايات فيروز والأخوين رحباني، ومشاهير مَن كان يعلّق على الرياضة الشعبيّة “كرة القدم” نذكر حمادة إمام، ومحمد لطيف، وعلي زيوار… وأسماء بالفن التشكيلي، وبدايات الصحافة، والاقتصاد والطب… (تتطلّب وقفة خاصّة). 
 
▪الأسوأ…
 
لكنّ أسوأ ما تعرضه الفضائيّات المصريّة تلك الحوارات السياسيّة المعلّبة والفارغة من أي قيمة اجتماعيّة، ولا تعنى بمستقبل مصر وأهلها… وأيضاً الأسوأ تلك البرامج الخاصّة بمذيع يحترف الثرثرة وتقليب الشارع المصري على الدول العربيّة… هذا النوع من برامج الثرثرات الخاصّة بجهاز المخابرات نجد وبأقل من دقيقة يغير مذيعها كلامه، ويحوّله دون تردّد من أسود إلى أبيض، لذلك لا تجد متابعة جادّة في الشارع المصري. وهذه الثرثرات كثيرة ومكشوفة، والأجمل حينما يعصّب الثرثار تحيّزاً أو تزمّتاً لأمرٍ ما تعصيباً لا يخلو من التكلّف والمراوغة!
 
وأسوأ ما تعرضه الفضائيات المصريّة طريقة تقديم الإعلانات، أو طريقة تقديم المسلسل والبرنامج داخل الإعلان، ونوعيّة الإعلانات التي نجدها موزعة على الغالبيّة، وهنا بيت القصيد والمقصود من هذه الكتابة أعلاه وأدناه!
 
أعترف وبدون أيّ حرج أنني على الصعيد الشخصي، وبعد الهروب من القنوات اللبنانية المتناحرة بينها حقداً، والمتناثرة في مفهوم الحريّة والإعلام، ولأسباب كثيرة أهمّها عدم اهتمامها بالوطن، ولعدم الإصابة بالأمراض النفسيّة والعضويّة التي تسبّبها أصبحتُ مثابراً على متابعة القنوات المصرية خاصّة المعنيّة بالماضي، وببعض القنوات الأجنبيّة التي تعرض الأفلام الهوليوديّة الشهيرة.
 
▪ الإعلانات….
 
للأسف تحتلّ الإعلانات في الفضائيّات المصريّة المساحة الأكبر ولا تهتم المحطة بالجودة الفنيّة أو نوعيّة ما يعرض من سلع للترويج، وبصراحة توجد إعلانات دون المستوى، ومخجلة على أكثر من صعيد!
مخجلة في الصناعة الفنيّة المبنيّة على الرخص الفني والخفّة في التنفيذ، ولا تليق بفنّ الإعلان بالمطلق، ولا يجوز عرضها احتراماً للذوق العام ونحن نعيش في هذا الزمن المكشوف والمنفتح على جميع الجهات ..
 
بالطبع هذا الأمر يعود إلى مستوى الفضائيّة التي تسمح بعرض نوعية كهذه من الإعلانات، ونحن نفهم حاجة المحطة لبدل الإعلان والعائد المادي الذي يترتب عليه، لكن تكرار الإعلان بطريقة مملّة ومنفّرة، تقلل من قيمة المحطة ومن قيمة الإعلان نفسه، إذ أنه ثمّة ضوابط وقوانين لتمرير الإعلان خلال فيلم أو مسلسل أو برنامج حواري،
لدرجة أننا بسبب إعادة الإعلان ذاته خلال مشاهدة حلقة من مسلسل أو أحد الأفلام القديمة “أبيض وأسود” نُصاب بملل لا يوصف، ولكثرة تكراره نغني مع الإعلان، اقصد حلقة واحدة من المسلسل 40 أو 45 دقيقة يُعرض خلالها 30 أو 35 دقيقة إعلانات، وأحياناً تختزل الحلقة بـ 15 دقيقة دون احترام لأحداث العمل ولصالح مساحة الإعلان، وكذلك يحدث خلال عرض الفيلم المصري حيث يعرض ساعة إعلانات على حساب 30 دقيقة من الفيلم الذي كان بالأصل ساعتين، وإذا تضمن أغنية تُحذف من دون أي رقيب ومسؤولية!
 
لاشكّ هذا الأسلوب الجائر في طريقة سيطرة الإعلان على الشاشة وخلال عرض حلقة من مسلسل أو عرض الفيلم يعني صناعة “التوحد الاجتماعي” عند المتلقي، ومع الوقت إذا استمر هذا النمط في الخطاب الإعلامي يزرع في المشاهد الخمول، ويصيبه بمرض “الصبر ” السلبيّ الذي لا يوصل إلى انتفاضة على الذات لتغيير الحياة النمطيّة، وتبقي ما هو على حاله!
 
هذه الطريقة في العرض الإعلانيّ داخل العمل الفني المُتابَع تجعل المشاهد يُصاب بالكسل، ويعيش الانتظار دون عمل، وبحجة “الله يرزق والله ما يريد” ناسياً “إسعى يا عبدي حتى إسعَ معك”!!
هذا النمط يُكثر من الرغي، وحشو الوقت بأيّ شيء كي يكمل متابعة أحداث الحلقة أو الفيلم… وهكذا ضاع الوقت يا عمري!
 
▪النوعيّة…
النوعيّة المنتشرة من الإعلانات في الفضاء المصري هي المعنيّة بمكنةِ “الانتصاب ” الأميركية للرجال، وتبارك الجهاز السحري للرجال، والعسل الملكي للذكور، وحبوب لتخفيف الوزن “وإن كنت راجل كل ” وجميعها منفّذة بسذاجة مضحكة واستغباء للناس، المركز الإيطالي لتصليح الثلاجات، إعلانات تفسير الأحلام والتنجيم، وماركات للسمعيّات، والمجموعة الفلانيّة للقوارض، والمجموعة العلانيّة لقتل الحشرات خاصّة الصراصير، ولمبة كذا، والمُنتَج كذا لزيت الشعر، وجل للشعر، وعلكة كذا، و”توكتوك” كذا، وجبنة كذا، ومرهم سحري يشفي كل الأوجاع، والحلّ الأمثل كذا للرجال، والمدرسة كذا ….. إلخ إلخ إلخ!
 
أمّا ما هو مؤسف زمخجل فعلاً بحقّ المجتمع المصري, فتلك المساحة الواسعة من عرض الناس الفقيرة التي تبكي وتصرخ طالبة مساعدة من أجل الطبابة، وتصوير أحياء ومناطق بدائية محرومة من كلّ الخدمات المعاصرة، وأحياء وسخة لا طرقات مزفّتة فيها، ولا خدمات صحيّة، ومنازلها تحتاج إلى منازل، ومساجدها فقيرة مصنوعة من الطين وأرضها لا تصلح للصلاة، وتعرض من أجل أن يرسل من معه المال لتعميرها، يعني شحادة بطريقة مخجلة ومسيئة حقاً للحكومة المصرية التي تقصّر بحقّ هؤلاء وكأنّ الأحياء والمناطق الشعبية المزرية خارج نطاق متابعاتها واهتماماتها!
 
إذاً.. هذه المساحة لا تليق بمصر، ولا يجب أن تُعرضُ بهذه الطريقة، لا بل تسيء إلى الدولة المصرية بكل مرافقها، وتضرّ بالمواطن المصري في الداخل والخارج، والأخطر أنها تضرب بالسياحة المصريّة… إذ أنّ كل ما ذُكِرَ أعلاه من هذه المشاهد تُعرض طيلة 24 ساعة عبر شاشات معيّنة همّها هذا النوع من الشحادة البائسة والمخجلة جدّاً!
 
باختصار ما يُعرض من إعلانات عبرَ غالبيّة، وليس كل الفضائياّت المصرية يتطلّب قراءة متأنيّة من أهل السياسة، وأهل الاختصاص الاجتماعي، ومن قبل المعنيّين ب”سمعة ” المحروسة، بإعادة كيفيّة تقديم الإعلان خلال عرض الأعمال الفنية كما هو حاصل بالفضائيّات غير المصريّة.
 
خاصّ – إلّا –
 
 
 
 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*