السبت , 27 نوفمبر 2021

في الشام..نطق الحجر أوّل مرّة !

رشاد

                       رشاد أبو داود

 

    تستقل القطار من عمّان الى دمشق، حاملاً عشرين سنة من عمرك هي كل عمرك. في جيبك عشرون ديناراً هي كل ثروتك. تكفيك لدفع رسوم الجامعة، وهي رمزية، لأنك عربي، وللعربي في الشام ما لأهل الشام زائداً إكرامية الغربة عن مدينتك لا عن بلدك، فأنت ابن الأمة العربية الواحدة سواء جئت من موريتانيا غرباً أو من البحرين شرقاً، الجنوب مصر، وجنوب الجنوب سودان، أما الشمال فلياليه قمرية وزهوره شمسية، لكل فصل زهره ولونه، ولكل الفصول نشيد واحد وأغنية فيروزية كنا نغنيها من قلوبنا “شآم يا ابنة ماض حاضر ابداً”. وجهتك دمشق ووجهك مضيء بنور سحري اسمه الكرامة. أنت ذاهب إلى حيث بدأ الإنسان الحضارة واخترع اللغة، ومن الحجارة نحت آلهة قبل ان يستدل على الله الواحد الاحد، إنسان جعل الحجر ينطق حروفاً، لغة يعلمها للبشر، هل ثمة من جعل الحجر معلماً للبشر غيرهم الآراميون والفينيقيون والكنعانيون والسومريون؟!

    بلاد الشام مهد الحضارات التي قامت منذ فجر التاريخ في المنطقة الممتده من ساحل البحر الأبيض المتوسط غربا حتى منطقة الجزيرة السورية شرقاً. هنا، على هذه الأرض قامت الكثير من الحضارات القديمة، إضافة للحضارات التي تقاطعت وازدهرت في سوريا القديمة. فالكنعانيون والآموريون هاجروا من الشمال حوالي 2500 ق.م واستوطنوا المناطق الجنوبية من بلاد الشام، ولاختلاف موضع الشعبين تأثر الأموريون بالحضارة السومرية التي انتشرت في بعض مناطق سوريا الداخلية وبلاد ما بين النهرين ـ وكذلك الأكادية. وانتشر الكنعانيون على طول ساحل بلاد الشام وتمركزوا في فلسطين. اليونانيون اطلقوا اسم فينيقيا المشتق من فينيقيين أي الأحمر الأرجواني على القسم المتوسط والشمالي من ساحل بلاد الشام كما أطلقوا اسم الفينيقين على الكنعانيين سكان الساحل السوري، الفلسطيني واللبناني. أسس الكنعانيون ممالك عدة مثل: حبرون، يبوس، طرطوس، ارواد، بيسان، مدين عكا، حيفا، صور، صيدون، بيروت والكنعانيون مسالمون بطبيعتهم لا يرغبون في الحرب إلا دفاعاً عن النفس. تنهض في ذاكرتك روايات التاريخ عن هذه البلاد وأنت في القطار المتجه الى دمشق. تسمع صوت عجلاته، حديد يحتك بحديد ، وعلى الجانبين حرير سنابل قمح تتموج كراقصات باليه يغنين باجسادهن بشغف للريح الشبقة.

    للحديد حكاية وللقطار حكايات: خلال حكم السلطان العثماني عبد الحميد الثاني وتحديداً في سنة 1900م، مَدَّ صادق باشا المؤيد العظم والي دمشق خط تلغراف بين دمشق والمدينة المنورة بنجاح، الأمر الذي زاد من تأييد فكرة إنشاء الخط الذي يعمل على تسهيل مسيرة الحج من دمشق إلى مكة المكرمة. قدرت تكلفة الخط بنحو 3.5 ملايين ليرة عثمانية لكنها زادت عن ذلك، وقدمت مساعدات شعبية من داخل السلطنة العثمانية وبلدان إسلامية أخرى. بوشر بالعمل في بناء خط سكة حديد الحجاز سنة 1900م من منطقة المزيريب في حوران في سوريا، واعتمد في مساره على طريق الحج البري من دمشق عبر مدينة درعا وصولاً إلى المدينة المنورة، وقد استطاع الحجاج في كل من الشام وآسيا والأناضول قطع المسافة من دمشق إلى المدينة المنورة في مدة خمسة أيام فقط بدلاً من أربعين يوماً، وكان والي دمشق هو أمير الحج باستثناء فترة بسيطة تولى فيها حاكم نابلس تلك المهمة. كان الخط ينطلق من دمشق، ويتفرع من بصرى جنوب سوريا إلى خطين، أحدهما يصل إلى الجنوب نحو الأردن، أما الآخر فكان يتجه غرباً نحو فلسطين، وتعد نابلس وحيفا وعكا أهم محطات الخط في فلسطين، ويتفرع من حيفا خط يربط الأخيرة بمصر. كان مسار خط الحج ينطلق من مدينة دمشق ويعبر سهل حوران ويمر بالمزيريب بالإضافة إلى عدد من المناطق الواقعة جنوب سوريا وصولاً إلى مدينة درعا ثم إلى الأردن حيث يمر بكل من المفرق والزرقاء وعمّان ومعان على التوالي، ويكمل سيره جنوباً إلى أن يدخل أراضي الحجاز حيث ينتهي بالمدينة المنورة. تصل وزملا ئك من الثانوية محطة الحجاز في دمشق . تسمع صوت السوزوكي يمتزج بنداءات البياعين واغاني صباح فخري في الشارع ، تشم رائحة المازوت والياسمين ، الاول للضرورات الاقتتصادية وتحدي البنك الدولي واسر القروض والثاني لان دمشق و الياسمين توأمان ، انه سر الطبيعة الذي لا يعلمه الا من عاش في الشام . وتلك حكاية اخرى .

**شاعر وكاتب / الأردن – عمّان

خاصّ – إلّا –

تعليق واحد