الأحد , 18 أبريل 2021

عصـــام الغــــازي ..يتذكر (الحلقـــة الخامســـــة)

 

عصــام الغــــازي شاعر وكاتب وصحافي/ جمهورية مصر العربية

عصــام الغــــازي
شاعر وكاتب وصحافي/ جمهورية مصر العربية

 

أدونيس قال لي : في الجسد كل شيء جنس

                            وفي التقاليــــــد كل شيء ضــــد الجنس!

 

في السبعينيات من القرن الماضي تمرّد الشعراء الشبان على القصيدة التي دشّنها جيل الستينيات وما قبله.

رفضوا قصائد عبد الرحمن الشرقاوي، ومحمود حسن إسماعيل، وصلاح عبد الصبور، وأحمد عبد المعطي حجازي ونجيب سرور، وأمل دنقل، وهاجروا إلى مدرسة الشاعر السوري  الكبير علي أحمد سعيد (أدونيس)  التي تنادي بـ ” التجاوز والتخطي ” (كان هذا موضوع أطروحته لنيل شهادة الدكتوراه التي صدرت في ثلاثة أجزاء).

كان الواقع العربي يفور بأحداث اتفاقية ” كامب ديفيد” التي وقّعها الرئيس السادات مع إسرائيل، وكان “أمل دنقل ”  يصرخ في وجه السادات بقصيدته الخالدة (لا تصالح / ولو وقفت ضد سيفك كل الشيوخ / والرجال التي ملأتها الشروخ / هؤلاء الذين يحبّون طعم الثريد / وامتطاء العبيد)،

أمل دنقل

أمل دنقل – شاعر مصري

وكان يقول على لسان اليمامة بنت كليب : ( أبي ظاميء يا رجال / أريقوا له الدم كي يرتوي / وصبّوا له جرعة .. جرعة / في الفؤاد الذي يكتوي / عسى دمه المتسرّب بين عروق النباتات / بين الرمال / يعود له قطرة ..قطرة / فيعود له الزمن المنطوي)، وكان شباب الشعراء ينادون بنزع أظافر القصيدة وإخصائها، انحيازا لـ “الفن” ، ودخلوا بأشعارهم حينئذ في دوامة من الشعوذات اللفظية، أخرجت القصيدة عن فعاليتها التحريضية في مرحلة كان شعراء المقاومة يمدون أبصارهم باتجاه مصر بحثا عن جيل جديد رافض لما يجري على الساحة السياسية، وقال الشعراء الشباب أيامها إن أدونيس هو مرجعيتهم.

وحط أدونيس (أطال الله عمره ) في قاهرة المعزّ، وقال لي يومها مستنكرا: “مصر لا تأخذ شعريتها من أحد. في البدء كانت مصر، وستبقى أكبر من كل الشعراء وأكبر من كل الفنانين”.

وقال إن الذين ألصقوا به تهمة ” إخصاء ” القصيدة من عنفوانها و تحريضها، أساءوا إليه وإلى القصيدة، فالتجاوز لا يعني الانقطاع عن الجذور، ” أنت لا يمكن أن ترفض شيئاً رفضاً حقيقياً، إذا لم تعرفه، أنت لا تستطيع أن ترفض شيئاً تجهله، لأن هذا لا يكون تجاوزاً وتخطيّاً “.

آدونيس

                               الشاعر أدونيس بحوار مفتوح مع الشاعر عصام الغازي

واستطرد أدونيس: ” أن تتجاوز شيئا هو أن تمتلكه، وأن تعيش فيه كاملاً، لذلك فهذه العبارات حين كنت أستخدمها، لم أكن أستخدمها بمعنى أنني أنتقل من شيء اسمه جذور وتراث، وأرفضه بتاتاً، لأتّخذ شيئاً آخر مختلفاً. فالجذور ليست موجودة في مكان ينفصل عنه الشاعر، وينتقل إلى مكان آخر، الجذور موجودة في نفسه وفي دمه، ويكفي أنه يكتب باللغة العربية، لتكون الجذور كامنة في كل خلية من خلاياه، وأن الجذور حية في الشاعر، إنما الانفصال أو التجاوز أو التخطي يكون لا عن الجذور، وإنما عن بعض التكوينات التعبيرية في التاريخ، عن بعض تجليات عن هذه الجذور، فعدم الكتابة مثل القدماء، لا يعني انفصالاً عن الجذور، فلو كتبت مثلهم لما قدّمت لهذه الجذور شيئاً، لأنك ستكون مكرّراً لما يقولونه، ولكن حين تتمثل تجاربهم، وتحاول أن تبتكر في بحر اللغة العربية موجك الخاص، فهذا يعني أنك تضيف إلى غنى هذه اللغة العربية غنى آخر، ولكن حين تريد أن تتماهى مع التموّج الذي تمّ في هذا البحر فإنك لا تقدّم شيئاً، الانفصال إذن يكون عن التشكيلات والتمّوجات، لكن أنت دائماً في بحر اللغة العربية، أي أنت دائما في بحر جذورك وأصولك”.

أدونيس 3

أدونيس

وحدثني أدونيس عن سبب لجوئه إلى تكنيك النثر في الكتابة الشعرية، فقال إنه بدأ هذا النوع من الكتابة في قصيدة ” أرواد يا أميرة الوهم”  كنموذج يقدمه للأجيال الجديدة كي تبتكر أشكالاّ شعرية جديدة، كذلك توسيع إطار التجربة الكتابية في اللغة العربية، وقال :أردتُ أن أثبتَ أن التعبير شعرياً بالنثر قائم، وله جذور في اللغة العربية خاصّة في الكتابة الصوفية وحتى “النصّ القرآني ” سمّاه العرب الجاهليون شعراً.

وأضاف أدونيس : بالنسبة لي شخصياً تجلّى الغضب في كتاباتي الأولى برفض التقاليد الكتابية المعروفة ومحاولة إعطاء شيء مختلف.

كان لقاء أدونيس – الإنسان قبل الشاعر – بالنسبة لي حدثاً لابدّ أن أستثمره في الاقتراب منه، وتسليط الضوء على المناطق غير الواضحة في شخصيته وسيرة حياته،  فسألته عن الحب وعن علاقته بالمرأة، وكاشفني أدونيس أن الحبّ الأول عنده لم يكن مرتبطاً بالجنس كتجربة أولى، فالجنس في بدايته كان مرتبطا بالشهوة، وبهذا البركان الكامن في جسد الإنسان، والذي يبحث عن تلبية، ثم بعد ذلك جاء الحب.

يقول: ولا أعتقد أن الجنس مرتبط بالضرورة بالحب، لكن إذا كان الجنس قائماً على علاقة محبّة، فهذا يكون أكمل وأفضل.

” بالنسبة لواقع مجتمعاتنا؛ في الجسد كل شيء جنس، ومن جهة الأخلاق والعادات والتقاليد، كل شيء ضدّ الجنس، إلا بحسب الأصول الدينية، وأعتقد أنني عشت كمثل جميع أطفال جيلي هذا الصراع الخفي ، الذي أحيانا يكون ظاهراً بين هاتين القوّتين المتناقضتين: من جهة الدين ..الجسد شبه مدنس، إلا إذا كان بحسب التعاليم الدينية، النفس أمارة بالسوء، وهكذا كما تعرف”.

أدونيس 4

أدونيس

يستطرد أدونيس في اعترافاته المثيرة : ” ومن جهة أخرى هناك شهوة ورغبة تتفجّران في الجسد، وتبحثان عن التلبية الملائمة، ولذلك أستطيع أن أقول دون تفصيل أنني عرفت الجنس منذ طفولتي، غير أنني لا أريد أن أتحدث أكثر، وهذه المعرفة فتحت لي منافذ كبيرة جداً للتعرّف على الإنسان ، وعلى طبيعة المرأة، وأنا أستطيع أن أقول إن الإنسان لا يعرف معرفة حقيقية إلا عبر ما سميته بثقافة الجسد، التي هي أشمل بكثير من المسألة الجنسية”.

يواصل أدونيس : ” الجنس في ثقافة الجسد ليس إلا عنصراً واحداً، وأنا أقصد بثقافة الجسد، الثقافة المتحرّرة من الذهن والقوالب الذهنية، ومن الأعراف والتقاليد، والمنفتحة على الطبيعة، وعلى العوالم التي يتيحها هذا الارتباط بالطبيعة ” .

من الأشياء المثيرة التي باح لي بها أدونيس خلال لقائنا الأول في القاهرة أن القرآن الكريم هو الكتاب الأول الذي شغف به في بداية حياته، حيث أن والده كان فلاحا في قرية ” قصابين ” بسوريا ، وكان يكتب الشعر ويقرأ الكتب العربية القديمة، وكان القرآن هو كتابه اليومي، لذلك حفظ أدونيس القرآن الكريم كاملا وهو في العاشرة من عمره بفضل توجيهات أبيه،

أبو العلاء

أبو العلاء المعري شاعر وأديب وفيلسوف عربي

كذلك أتاح له والده قراءة الأعمال الشعرية للمتنبي وأبي تمام والشريف الرضي وأبي العلاء المعري، ولم يلتحق أدونيس بالمدرسة إلا في سن الرابعة عشرة.

 

خاصّ – إلّا –