ما وراء الضوضاء… أين يقفُ الخليج؟
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

د. محمد الرمحي – الكويت
في اللحظات التي تعقب الحروب – أو عندما تتجه نحو استنتاجاتها – تميل خطاب النصر إلى الارتفاع، حتى عندما تكون الحقائق على الأرض أكثر تعقيدا وأقل حسما بكثير. ما نشهده اليوم في القضية الإيرانية يتناسب تماما مع هذا النمط. يبدو أن النظام في طهران عازمًا على إسقاط قصة انتصار لجمهوره المحلي، ليس فقط لتوطيد المنطقة ولكن لحمل هذا السرد معه في ساحة التفاوض. هنا يكمن مصدر القلق – بل الخطر – لأن ما بني على تصور للنصر يختلف بشكل جوهري عما يقوم عليه الاعتراف بالتوازن أو الخسارة.
المسألة لا تكمن في الخطاب الإيراني نفسه؛ هذا السلوك متوقع من أي نظام سياسي تحت الضغط. بل يكمن القلق في كيفية ترجمة هذا الخطاب إلى مكاسب سياسية ملموسة. أول مظاهر محتملة هو إعادة تأكيد النفوذ الإقليمي كأمر واقع، من خلال ربط ملفات لبنان والعراق واليمن في إطار واحد. عندما تتجمع هذه الساحات معًا، فإن الرسالة الضمنية هي أن إيران تمتلك نفوذًا حاسمًا في هذه العواصم، وأن أي تسوية ذات مغزى يجب أن تمر من خلالها. والأمر الأكثر إزعاجاً هو أن أي قبول دولي – حتى لو كان ضمنياً – لهذا الارتباط سوف يفسر في طهران على أنه اعتراف بشرعية هذا التأثير، وربما ترسيخه.
القضية الثانية هي مضيق هرمز الذي يبقى شريان حيوي ليس لدول الخليج فقط ولكن للاقتصاد العالمي ككل. أي مناقشة للترتيبات الجديدة في هذا المقطع – أو حتى تلميحات للمرونة في التعامل معه – يجب أن يتم تناولها بأقصى درجة من الحذر. الامتيازات هنا، مهما كانت محدودة، يمكن أن تصبح بمرور الوقت أدوات للضغط الاستراتيجي، يتم نشرها في لحظات الأزمة. يعلمنا التاريخ أن نقاط الاختناق البحرية لا تحكمها النوايا الحسنة، وإنما تحكمها موازين القوى والردع. التخلي عن أي منهما هو وضع نفسه تحت رحمة الآخر.
المذهل في هذا المشهد هو الاختلال الواضح في تصور الخطر في جميع أنحاء المنطقة. بينما تشير المؤشرات إلى إمكانية إعادة تشكيل ديناميات القوة، لا يلاحظ المرء – على الأقل علناً – مستوى التعبئة الخليجية الجماعية يتناسب مع التحدي. وإذا استوعبت هذه الشواغل بالكامل، فسوف يتوقع المرء دعوات رفيعة المستوى للتنسيق الاستراتيجي الشامل، يتجاوز البيانات التقليدية إلى تدابير ملموسة. من بين هذه الأشياء يمكن أن يكون التفكير الجاد في أشكال أعمق من التكامل، وربما حتى الاقتراب من ترتيب كونفدرالي، يوفر إطارا مؤسسيا للأمن المشترك وصنع القرار الاقتصادي.
إلى جانب ذلك، يجب رفع مسألة بدائل مضيق هرمز إلى أولوية لا تتحمل أي تأخير. ومع أن الجهود المبذولة في هذا الاتجاه موجودة، فإن المطلوب الآن هو التسريع والتوسع، حتى لا تظل هذه البدائل مجرد مشاريع طوارئ، بل تتطور إلى خيارات استراتيجية حقيقية. هذا يتطلب استثماراً كبيراً وتنسيقاً رفيع المستوى ورؤية طويلة الأمد تدرك أنه بينما تفرض الجغرافيا قيوداً، إلا أنها لا تمنع الابتكار في التغلب عليها.
وبالمثل، تبدو الدبلوماسية الجماعية إما غائبة أو خاضعة في هذه المرحلة الحرجة. سيكون من المنطقي والضروري أن نشهد مبادرة خليجية موحدة تجمع وزراء الخارجية في إطار واحد، يتبعها مشاركة مباشرة مع الجهات الدولية الرئيسية – الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا والهند وغيرها من الذين تتقاطع مصالحهم مع استقرار هذا الممر الحيوي. لن يكون الغرض من هذه المشاركة مجرد نقل القلق، ولكن بناء شبكة من التفاهمات تضمن عدم إبرام أي ترتيبات مستقبلية على حساب أمن واستقرار الخليج.
في مثل هذه الظروف، يمكن أن تصبح النوايا الحسنة مسؤولية أكثر من الأصول. السياسة على عكس الأخلاق الشخصية لا تتم على أساس حسن النية بل على حساب المصالح و ميزان القوى. الافتراض بأن الآخرين سيحافظون على مصالحنا بطبيعة الحال، دون صياغة واضحة وحماية فعالة من جانبنا، هو شكل من أشكال السذاجة التي قد تحمل تكلفة باهظة. كل من التاريخ القريب والبعيد يكتظ بأمثلة من الدول التي خسرت موقفها ليس لأنها افتقرت إلى القوة، ولكن لأنها أسأت قراءة اللحظة.
ولذلك فإن السؤال المطروح ليس ما إذا كان هذا القلق مبررًا، ولكن لماذا لم يترجم بعد إلى حديث عام أوسع داخل المجتمعات الخليجية. لم يعد الأمن مجالًا حكوميًا بحتًا؛ بل هو أمر يمس الحياة اليومية للمواطنين ومستقبل الأجيال. قد يسهم إشراك المفكرين وفتح المجال للمناقشة في إظهار وجهات نظر أكثر نضجا وواقعية، بينما يولد ضغطا بناءة نحو اتخاذ قرارات أكثر جرأة.
في النهاية، قد تتباين الآراء حول حجم التهديد، لكن تجاهله تماماً ليس من الحكمة. تقف المنطقة عند مفترق طرق، والقرارات المتخذة اليوم – أو المؤجلة – ستشكل معالم السلطة لسنوات قادمة. بين صخب الانتصارات المعلنة والاضطراب الهادئ الذي لا ينطق، حقيقة واحدة تبقى: الأمن لا يمنح؛ بل يُبنى. ويبقى السؤال – هل نملك الإرادة لبنائه كما يجب؟
خاص – إلّا
Share this content:


إرسال التعليق