×

مُهِمَّةُ بقاء

مُهِمَّةُ بقاء

Getting your Trinity Audio player ready...
IMG-20260522-WA0002-605x1024 مُهِمَّةُ بقاء
د. قصي الحسين/ ناقد أدبي لبناني واستاذ محاضر في الجامعة اللبنانية – بيروت


مهمة بقاء – د. قصيّ الحسين – بيروت

يعيش لبنان في أقسى وأسوأ الظروف التي مرت به، عبر تاريخه الطويل. فهو لم يشعر بتهديد وجودي، مثلما يشعر به اليوم. عبرت به قطوع كثيرة، منذ طغيان الإمبراطوريات عليه. فعرف كيف يتدبرها، ويعبر بها واحدة بعد الأخرى، بعد أن يجعلها تدخل في خدمته، لا أن يكون هو خادما لها.

أفاد من اليونان والرومان والبيزنطيين، وجعلهم يعمرون دياره، بالقلاع والحصون والعمائر والطرقات. وبالحقول والكروم وإهراءات القمح ومخازن الطحين. وكذلك بدور العلم التي لا زالت شاهدة، على تفوقه العلمي و العالمي آنذاك. وحينما خرجت ألوية الفتوح العربية إليه، تدبرها وجعلها “تتلبنن” ، قبل أن يتمصر فيها. وهي لا تزال تنظر أليه حتى اليوم، بإيجابية كبيرة، من خلال مآثره أدبا وعلما وثقافة وقوانين، تشهد لها الأجيال على مر السنين.

عرف لبنان كيف يتدبر عيشه مع دولة الصليبيين، وكيف يحافظ على التنوع فيها، على الرغم من طغيان اللاتين. ثم توافدت إليه ألوية المماليك، فتأقلم معها، ومرر القطوع بأقل الخسائر الممكنة. وأما في زمن العثمانين، فقد نادى بإستقلال الإمارة والقائممقاميتين و والمتصرفية. وما حنى الجبل رأسه ولا ولاية بيروت. ولو على أعواد المشانق في ساحة الشهداء.

يحاول لبنان اليوم، أن يستفيد من تاريخه العريق في الوحدة والعروبة والوطنية، بعدما ألحقت به الحروب المتوالية عليه، الجروح الساخنة. كان مطمعا للجيوش، في الحربين العالميتين، لما يشكله من مدخل إستراتيجي للمنطقة. فشهد جميع النوازل الحربية على أرضه، وهو يكابد المطالبة بالعيش بسلام، ويحقق ما يصبو إليه، بأن يكون بلدا محايدا، بصيغة سويسرا في الشرق، لا أكثر ولا أقل. غير أن ما شهدته المنطقة من تحولات، فاق التوقعات جميعا. وفاق أيضا الخيال. ولم يرأف به “تجار الحروب”، ولا كذلك الدول الصغرى والكبرى. فصار إلى الحرب مكرها، ولو كانت عيون أهله طامحة لتحقيق السيادة والأستقلال، والبناء على أسس من العلم والتقدم، لتصبح في مصاف الشعوب المتقدمة.

شهد لبنان منذ نصف قرن وحتى اليوم، الصراعات والتحولات الكبرى التي تريد إقتناصه وإقتطاعه، لجعله يدخل في خدمتها. فرصدوا الأموال الباهظة لهذة الغاية. ووضعوا لها الخطط العسكرية التي لا ترحم أهله. فتناوبت على إنهاكه، المنظمات والميليشيات والأحزاب المرتزقة، التي كانت ولا تزال تفتح “حسابا تجاريا” للشهداء في سجلاتها. فكان ذلك أرخص الغايات وأقتلها.

ما ذاق لبنان في تاريخه كله، مثلما يذوقه اليوم من مخاض صعب، للحفاظ على الهوية. وهو منذ حرب السنتين: (1975_1976)، يحاول تقطيع المرحلة. يخوض أقسى أنواع الحروب، التي لم يشهد مثلها. حرب عنيدة وشرسة، بين إسرائيل وإيران على أرض لبنان. والخوف، من إستفحال الحرب لا من تخفيفها. فنرى بأم العين، كيف يتم التجريف للمدن وللقرى. ويتم التهجير والنزوح، بلا إيواء ولا مأوى. ويبذل المال العظيم للترانسفير، و للخروج من لبنان، إلى أي مكان، لأن الخطط الموضوعة، لا ترحم أحدا.

مهمة بقاء، يخوض لبنان هذة الأيام، وهو واقع بين فكي كماشة: إسرائيل وإيران، وخلفهما الدول المساندة والمعاضدة. فإلى متى يستطيع الصمود، أمام الزلزال الديموغرافي الذي يضربه جنوبا وبقاعا، فيرتد عليه شرقا وغربا وساحلا وجبلا.

اليوم لبنان أما أمام قطوع عظيم. فإما أن يكون أو لا يكون. ولا أحد من مكوناته الديموغرافية، في رقبته حرز يحرسه. أو هو بعيد عن حقل الزلزلة. حدقوا جيدا: فهذة الحبال التي ترمى لنا، ليست لأطواق النجاة. بل إنها من نوع حبال المشنقة… صدقوني: إنها من حبال المشنقة…

خاص – إلا

Share this content:

مجلّة - إلّا - الألكترونية/ مجلة هادفة ذات مستوى ومحتوى سواء بما يساهم به أقلام الكتاب العرب المعروفه والمنتشرة بأهم المنابر العربية، أو بما يتمّ اختياره أحياناً من الصحف الزميلة بتدقيق وعناية فائقة، وحرصاً من مجلّة - إلّا - بإسهام المزيد من الأقلام الواعدة يُرجى مراسلتها على البريد الألكتروني / ghada2samman@gmail.com

إرسال التعليق