إدارة الأخلاقيّات وسياسة الإلهاء..
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

في خضمّ الأمواج المتلاطمة التي تعصف بالواقع المعيشي السوري، ومع اتساع الفجوة بين الاحتياجات الأساسية للمواطن وبين القدرة على تأمينها، يبرز التساؤل الجوهري حول “فقه الأولويات” في العقل الإداري القائم. حيث يترجمه القرار الحكومي الأخير المتعلّق بتقييد بيع “الكحول” وحصره داخل المناطق المسيحية، هذا القرا الذي لا يمكن قراءته بمعزل عن سياق “السياسات الرمزية” إن لم نقل “الهزلية “؛ تلك السياسات التي تهرع إلى القضايا الهامشيّة لتصنع منها “معارك وهميّة” وبلبلة خلافية تشغل الرأي العام ووسائل التواصل الالكترونية، هدفها المُبطّن أن تُواري العجز البنيوي في إدارة الملفات الوجودية الكبرى.
منطق الوصاية وهدر الكرامة
إن هذا التوجه يعكس انحداراً في تفكير الدولة نحو عقلية “رب الأسرة” الذي يمارس المنع والمنح على “أطفاله ” من منظوره الخاص، غافلاً عن أن الدولة الحديثة هي “مؤسسة كفيلة” للحقوق والكرامة وليست وصياً شرعيّاً على الضمائر.
وهذا لا يعني انني أبحث اخوض في سبيل شرعنة الكحول، فهي المنبوذة أصلاً في وجدان دمشق وأهلها تاريخياً، وليس في ذاكرة العاصمة اكثر من بائع او اثنان، على امتداد المناطق والاحياء والمحال التجارية والاسواق، وذلك في عزّ العلمانية وفي عزّ تضييق الخناق على الميول الدينية، فكيف وسوريا اليوم، تجنح لمظاهر الإسلام العلني الصريح وموجباته القطعية..؟!
إذاً الحديث هنا عن “العبقرية” التي رأت في هذا التوقيت الخانق في خضم الخلافات والازمات والحروب المحيطة في المنطقة، أولوية إلزامية، تسبق وعود الكهرباء الغائبة، ومستلزمات الغذاء المفقودة، والطبابة المُهملة، ولهيب الأسعار الذي يلتهم بقايا الصبر، كل هذا واكثر، تضعه جانباً، وتباشر في فرز المُباح بيد من، علماً اننا جميعا نعرف الكثير من إخوتنا المسيحيين الذين لا يحتسون الخمر، مقابل الكثير من المسلمين الذين لا يفارقون الكأس..!
مفارقة الإدارة والشتات السوري
الجدير ذِكره هنا هي تلك المفارقة التي لابد من التنويه بها إذ ليس من قبيل المصادفة أن يجد 12 مليون سوري في بلاد الاغتراب مسكناً ومأوى وطبابة وتعليماً في غضون أيام، بينما يظل السوري في وطنه أسيراً لـ “ساعات التغذية” المحدودة وأزمات المحروقات المتلاحقة. وغلاء المعيشة في ادق تفاصيل الاحتياجات الشخصية. إن هذه المفارقة تضعنا أمام الحقيقة المُرّة: وهي أنّ العلة فعلياً ليست في ندرة الثروات، بل إنّ الاطماع المتزايدة في بلادنا لا يأتي من خوائها بل لما تملكه من موارد، وثروات باطنية وظاهرة، فلم يعد النفط السوري موضوعا محرّماً على الشعب كما في السابق لأنّ النظام كان يحتكر النفط لاستثماراته الخاصة، ومثله الغاز، اما الثروة الظاهرة فهي التربة الزراعية التي تصلح لكل امواع الزراعات التي تنعم بطقس مؤاتي كلياً..
إذن سوريا لا ينقصها مصادر الدخل المرتفع للشعب، بل ينقصها ” أهليّة” الحكومات المتعاقبة في إدارة تلك الثروات، وصدقيّة النوايا، وأمانة الشراكة بين الوطن والمواطن، والمملكة العربية السعودية خير مثال، وهي الطموحة لتأمين حياة المجتمع على اكمل وجه اعتباراً من الاساسيات مرورا بالضروريات وصولاً الى الترفيه بكل ما تعني الكلمة من حياة الرفاهية للمجتمع، ومثلها الإمارات العربية التي تحرص تباعا على حث الخطى لجعل الوطن في مقدمة الاوطان على اختلاف القارات، وقطر في سبيل خدمة الشعب لم تقف مكتوفة الايدي بل هي في سباق دائم لتأمين الافضل لشعبها وحتى للمقيمين وهذا شأن الخليج ككل المقيم لا يقل حقوقا عن ابن البلد، اما الكويت فالحديث يطول عن الكويت ويصعب اختزاله في سطور، حسبه حبّ الشعب لوطنهم واعتزازهم الدائم به، وولائهم الطوعي لقيادتهم التي تحرص كل الحرص على إرضاء الشعب بكل السُبُل المتاحة. بالعودة الى ذي بدء نجد ان الصبر اصبح اختصاصاً مملّاً على السوريين، والتسويف ديدن كل حكومة قائمة لن يسهل المفاضلة او الاستثناء بينما كان وبينما آن وبينما سيكون.
بذلك اجزم هنا انّ المعضلة تكمن في الجهل الإداري وهو وجه من وجوه “الظلم ” الأشد فتكاً ، لأنه ببساطة او بخبث يبدد مقدرات الأمة، حين يحوّل الغنى إلى فاقة، والقدرة إلى شلل.
دمشق.. الثقب الأسود والتنمية المشوّهة
لقد أدى غياب “الإنماء المتوازن” في المحافظات إلى تفريغ مناطق واسعة من سوريا مقابل ضخّ الوافدين في هجرة داخلية غير مسبوقة نحو العاصمة، مما جعل دمشق “ثقباً أسود” يمتص الطاقات ويئن تحت وطأة ضغط عقاري خرافي. إن هذا الاختلال الديموغرافي هو نتيجة مباشرة لغياب البرامج الاستراتيجية التي تخرجنا من “عنق الزجاجة”، واستبدالها بتمخضات حكومية لا تسفر إلا عن قرارات صغيرة ساذجة، تزيد من تفاقم الأزمات بدلاً من حلّها. فلو ان الحكومة الادارية تملك الحد الادنى من الاقتدار الاداري كان بوسعها ان تُطلق برنامج التنمية الزراعية، وتشجيع الجميع للعمل في زراعة الارض واستثمار المحاصيل وعقد صفقات عربية ودولية ان امكن وخاصة ان ابواب العالم بجميع الجهات تقريبا مفتوحة على غاربها للقيادة الجديدة، فبدلا من إشغال الناس بمنع الخمر مثلا كان بوسعها ان تُطلق برامج تشجير واسع لداليات العنب، وبالتالي دعم الموسم بالصناعة للعصائر الصحية وتشغيل الكثير من المهندسين والمخبريين والاطفاء، في نتاجات صحية، يمكن تصديرها على اوسع نطاق، بدلا من احتكار تلك المشاريع بقطاعات خاصة، لا احد يعلم ما هي السموم التي تتسرب الى شراب الاطفال والكبار على حد سواء، حيث لا رقابة صحية ولا اختصاصات علمية تمارس دورها بجدارة.
التحرر من الجهل هو التحرر من الظلم
إن الدولة التي نطمح إليها هي الدولة التي تضمن السكن اولا، وتضمن العمل كحق للموطن وواجب على الدولة، والا يقتصر حلم المواطن السوري على تحصيل كفاف يومه بل العيش برفاهية لا تقل عن رفاهية اهل الخليج فسوريا بلد نفطي بامتياز وفيه ثروات لا تحصى وفي مقدمها لاننسى القطاع السياحي الذي يحتاج الى الامن والاستقرار وهذا زاجب الدولة ان تؤمنه..
اعلم ان المطالب كبيرة، وربما اكبر من استطاعة الدولة، ولكن الادارة الحكيمة التي تعتمد الى فطنة المواطن السوري، الاكاديمي والخبير وبتنشيط الاستخدامات الذكية للعقول الاصطناعية والعقول البشرية وإشراك القطاع الطلابي وتنميته وتمكينه، تتغلب الدولة على جميع المفاصل الركيكة والمهلهلة في الحكومة التي لم تفلح بعد سنة ونصف بأكثر من “إلهاء الناس” بفتائل الفتن الاجتماعية.
السؤال الذي لا بد منه متى سنتحرّر من طغمة عجز الإدارة..؟!
متى ندرك أن قوّة المؤسسات لا تُبنى بذر الرماد في العيون، بل بالمواجهة الشجاعة للحقائق الميدانية..؟!
إن استمرار النهج السابق ذاته بوعود معلّبة، وخطط غائبة لن يؤدي إلا إلى مزيد من الغرق والخيبات، إذ أنّ صوت انين المواطن السوري لم يخفت أبداً بل لا نبالغ لو قلنا انه ازداد وجعاً.
لقد آن الأوان أن ينتقل العقل الحكومي من دور “المراقب الأخلاقي ” إلى دور “المدير الحقيقي الكفء”، فالإنسان السوري الذي صمد طويلاً يستحق دولة تحفظ كرامته، لا يحتاج الى قرارات تستهلك ما تبقى من عمره ووقته وجهده في جدالات عقيمة، تفرّق ولا تجمع، وتُهلك ولا تبني.
خاص – إلا –
Share this content:



إرسال التعليق