من المسؤول عن فشل مشروع القوميّة العربيّة
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد الشمّاع – سوريا
التيار القومي العربي بين أفول الماضي وشروط النهضة: تحليل نقدي لأسباب الفشل..
يتناول هذا البحث تحليل أسباب فشل التيار القومي العربي كحركة سياسية وشعبية منذ منتصف القرن العشرين، محاولاً تجاوز الخطاب الاسترجاعي نحو تأسيس رؤية نقدية لمتطلبات النجاح في ظل التحولات الراهنة. تُظهر الدراسة أن القومية العربية فشلت ليس بسبب ضعف فكرتها الجوهرية، بل نتيجة غياب الديمقراطية، وفشل الوحدات العملية، والهزائم العسكرية، وتبخر الوعود بالعدالة الاجتماعية. كما تناقش شروط النهج البديل القائم على أولوية المواطنة، والاعتراف بالتعددية، والنموذج التكاملي اللامركزي، وإعادة تعريف معنى المقاومة.
مقدمة: القومية العربية بين الماضي المستنزف والمستقبل الممكن
شكّل التيار القومي العربي، منذ خمسينيات القرن العشرين، المشروع السياسي الأكثر قدرة على تعبئة الجماهير العربية، واعداً بالوحدة والتحرير والتنمية. غير أن هذا التيار سرعان ما أخذ في التراجع، حتى تحوّل إلى مجرد فكرة هامشية أو إرث تاريخي، بينما ارتفع منافسون جدد كالإسلام السياسي، والهويات الفرعية، حتى الأنظمة الدكتاتورية التي يدّعي كثير منها تبني القومية. تطرح هذه الورقة سؤالين مركزيين: لماذا فشل التيار القومي سياسياً وشعبياً؟ وما هو النهج الواجب اتباعه لإنقاذ جوهر مشروعه -إن أمكن- في ظل واقع متصدع؟
أولاً: عوامل الفشل الجذرية (تحليل بنيوي وتاريخي)
- البعد السياسي: الإخفاق في ترجمة الشعارات
اعتمدت الأنظمة القومية (الناصرية، البعثية في سوريا والعراق) على نموذج الحكم الاستبدادي. لم تكن القومية مجرد إيديولوجية بقدر ما كانت غطاءً لتكريس سلطة شخصية أو حزبية. أدّى هذا إلى إقصاء المشاركة الشعبية وتحويل العمل القومي إلى خطاب من أعلى إلى أسفل. كما فشلت مشاريع الوحدة العملية، وكان انهيار الوحدة المصرية – السورية (1961) إشارة فارقة إلى هشاشة تلك المشاريع التي تأسست على الدمج السياسي السريع دون بنى تحتية تكاملية راسخة أو توافق ديمقراطي.
- الهزيمة الوجودية: انهيار الأسطورة المؤسسة
تُعد نكسة 1967 نقطة التحول القاتلة. فبعد أن رسّخت حرب 1948 صورة العدو الذي لا يُقهر، ثم حرب 1956 التي حوّلت عبد الناصر بطلاً، جاءت 1967 لتكشف عجز الجيوش العربية، بل الأهم، عجز النظام القومي الذي وعد بالتحرير. سقوط القدس الشرقية وهزيمة ثلاث دول عربية أمام إسرائيل في ستة أيام لم يكن هزيمة عسكرية فحسب، بل موتاً رمزياً لمصداقية القومية العربية كمنقذ.
- البُعد الشعبي: فراغ الوعود وتراجع العدالة الاجتماعية
صحيح أن القومية العربية اقترنت في مرحلة مبكرة بمشاريع اشتراكية وعدّلت توزيع الثروة (مثل قوانين التأميم في مصر)، لكنها فشلت في بناء نموذج اقتصادي مستدام ومُحسّن للحياة اليومية للمواطن. فبينما تراكمت البيروقراطية والفقر وارتفعت معدلات البطالة، ظل الخطاب القومي يردد “الوحدة أولاً” والتحرير من العدو الخارجي، بينما كان هم المواطن هو توفير لقمة العيش. هذا الانفصام دفع الجماهير تدريجياً نحو بدائل أكثر واقعية: الهوية الطائفية أو الإقليمية أو الدينية التي تقدم إجابات وبنيماً اجتماعياً فعلياً.
ثانياً: نحو نهج جديد شروط النجاح الممكن
في ظل كل ما حدث من انهيارات وحروب أهلية وتفكك لدول عربية، يصبح من السذاجة الدعوة إلى “إحياء القومية” بطريقة أصولية. لكن يمكن إنقاذ جوهرها الإنساني والحضاري إذا انبنى النهج على ست ركائز:
- أولوية المواطن على الأمة المجردة
لن يُقدم أي مواطن عربي على التضحية بمصالحه اليومية لمشروع “أمة” لا توفر له أمنه الوظيفي أو كرامته. لذلك، يجب أن يبدأ أي خطاب قومي جديد من معالجة البطالة، التعليم، الصحة، ومكافحة الفساد. القومية التي لا تحسن العيش لا معنى لها.
- الاعتراف بالتعددية كأصل لا كاستثناء
لطالما اتهمت القومية العربية بالتمركز العربي – الإسلامي وإقصاء الأقليات القومية (الأكراد، الأمازيغ) والمذهبية. أي نهج ناجح يجب أن يبدأ بإعلان أن الوحدة لا تعني الذوبان، بل المواطنة المتساوية في إطار ثقافي عربي مشترك. هذا يعني حقوقاً كاملة لكل المكونات، مع لامركزية إدارية تحترم الخصوصيات.
- التخلي نهائياً عن النموذج القمعي – المركزي
لم تفشل القومية العربية بقدر ما فشل “النموذج الديكتاتوري” الذي ارتدى عباءتها. النجاح اليوم يستلزم ديمقراطية حقيقية: فصل السلطات، حرية التعبير، تداول السلطة. هذه ليست ترفاً فكرياً غربياً، بل هي الضمانة الوحيدة لتحديث الخطاب القومي ومنعه من التحول مرة أخرى إلى أداة قمع.
- الوحدة بالتكامل لا بالدمج السياسي
بدلاً من الاستغراق في أحلام دولة قومية مركزية كبرى (كما جربت سوريا ومصر وفشلت)، ينبغي التركيز على التكامل العملي: سوق عربي مشترك، عملة عربية موحدة في مرحلة متقدمة، مد خطوط سكك حديدية وطرق سريعة عابرة للحدود، وتسهيل حرية التنقل والإقامة. الوحدة تبنى من القاعدة إلى القمة، وليس العكس.
- إعادة تعريف “العدو” والمقاومة
لن تنجح القومية إذا ظلّت حبيسة شعارات “الموت لإسرائيل” أو “المقاومة ضد الغرب”. المقاومة الأكثر إلحاحاً اليوم هي مقاومة الفساد والاستبداد والجهل والتبعية الاقتصادية. الصراع مع إسرائيل يمكن تناوله بعقلانية كقضية سياسية نظرية وحقوق إنسان، وليس كشعارات تعبوية تبرر بقاء الأنظمة الفاسدة.
- خطاب نقدي ناضج يعترف بالنكسة
يجب أن يمتلك التيار الجديد الشجاعة لإعلان أن آباءه فشلوا. الاعتراف بفشل 1967، وفشل الوحدات، واستبداد الأنظمة القومية هو شرط الشفافية. جيل اليوم لا يريد أساطير ثابتة، بل رواية تاريخية نقدية تمكنه من التفكير الحر.
الخلاصة
لم يعد للتيار القومي العربي المجرد من أي مشروع حقيقي للعدالة الاجتماعية والديمقراطية وجود يذكر. مستقبل القومية العربية لا يكمن في استعادة مجد الخمسينيات، بل في إعادة اختراعها كإطار للتعايش المدني، والتكامل الاقتصادي الحر، والانتماء الطوعي إلى لغة وإرث ثقافي، دون وصاية أو مركزية قمعية. إذا لم يحدث هذا التحول..
خاص – إلا
Share this content:



إرسال التعليق