الأربعاء , 18 مايو 2022

وداعاً 2021

غادا فؤاد السمان/كاتبة وشاعرة سورية- بيروت

في نهاية كل عام تجتهد الشركات، وتنهمك المؤسسات، وتستغرق الدوائر وحتى الأفراد في جَرْدِ حساباتهم، ومراجعة دفاترهم، وتدقيق أعمالهم ومواعيدهم وحتى مذكراتهم إن وُجِدَتْ.. وألاحظ في جملة المتابعات واللقاءات تفشّي لغة الشكوى لدى القاصي والداني، فالغالبية العُظْمَى لا تعرفُ الرضى بما أنجزتْ، والأكثريّة الساحقة تتذمّر وتدّعي العجز، وفي الإجمال ثمّة سخط شائع وحسرات متبادلة بين مختلف الشرائح والطبقات، فالكل يريد القليل من الجهد، والكثير من الربح، ويريد اليسير من المجازفة، والجزيل من العائدات، وقلّة قليلة جداً تعي أن الربح هو منسوب طرديّ، لمعادلةٍ لا تتحقّق إلا بالمنطق، والنزاهة، والجرأة، والإقدام، والصدق، والإخلاص، والضمير، ثمّ الضمير، ثمّ الضمير..
“الضمير”.. نعم هذه الكلمة هي الأهم، وقد غابت عن قاموس معظم أصحاب الأعمال، وأصحاب رؤوس الأموال، وأصحاب الجاه، وأصحاب السلطة، وأصحاب القرار، وأصحاب المصالح، وأصحاب المبادىء، وأصحاب القِيَم، وأصحاب المواقف، وأصحاب الذِمَم، وحتى بعض الأصحاب.. الأصحاب.
وبعيداً عن السلبيات التي وقع الكثير من الفئات المذكورة أعلاه، ضحايا مطبّاتها على امتداد هذا العام 2021، والعام الفائت 2020 نتيجة أزمات كارثيّة عالميّة، في القطاعين الصحّي والاقتصادي..
فمن منّا لم تفترسه الأخبار المتلفزة بمختلف الشاشات، والمحطات، واللقاءات، والتصريحات، والعدادات اليومية للفيروس اللعين المسمّى “covid 19” وتوابعه وملحقاته “دلتا وألفا وأوميكرون” وكما يُشاع القادم أخطر.. ، الذي بسببه أُغلِقَتْ جميع مفاصل الحياة، بعدما سلَبَهَا الحدّ الأدنى من الحركة، وأعاقها لدرجة الشلل..
فكم مدينة شاهدناها خاوية تماما عن بكرة أبيها، وكم شركة أعلنت إفلاسها التام، وكم متجر وكم مطعم وكم مقهى وكم مشغل وكم معمل أغلق أبوابه لعدم القدرة على التزام المصاريف في غمرة التعطيل المتواصل..
لا شكّ أن الأزمة كبيرة، واللعبة أكبر من كونها مرض استفحل على مستوى القارات الخمس ودولها ومُدنها..
إنها باختصار سياسة العالم الجديد، وانقلاب موازين القوى التي لا يتّسع المقام لسردها.. فقط
لابدّ من الإشارة إلى أنّ الانتقال الزمني من عام إلى عام، لا يعني شيئاً على الإطلاق، فالزمن بتقديري “ثابت” وأستعير هذا اللفظ من كتاب الشاعر السوري الكبير “أدونيس”
//الثابت والمتحوّل //، وأنّ الإنسان هو “المتحوّل”، فكم من إنسان يشتم ويلعن ويسبّ الزمن، والزمن براء من كل ما يُنسب إليه.. وكم سمة يَنْعَتُ بها أهل الترويج والتعميم الأعمى، فالزمن يعني الوقت وكما يقول د. طلال أبوغزاله دائماً: “الوقت هو المادة الأعلى و الأغلى ثمناً والاندر قيمة بين جميع الثروات”..
الحديث عن 2021 يحتاج إلى صفحات وصفحات، فقد توضّحت الكثير من الحقائق السياسيّة، التي انعكست على الاقتصاد في كل بلد ومدينة، وكان لبنان الحلقة الأضعف بكل ما وصلتْ إليه الأمور على مختلف الأصعدة من انهيارات في البنية التحتيّة للدولة، وتدهور في جميع القطاعات أولها انعدام “الطاقة” الكهربائية.. الذي استجرّ الويلات على كافة القطاعات الأخرى، ناهيك عن تقهقر القطاع المصرفي الذي وضع الليرة اللبنانية في مهبّ الريح، وجعل الدولار يحلّق إلى درجة لا تُحمد عقباها، الأمر الذي جعل المصرف المركزي يستهلك رأس المال العائد إلى مدّخرات الناس وودائعهم، فتحرك على الأثر البنك الدولي وأُدخِلَ لبنان في رهانات دوليّة مختلفة، ورغم حساسيّة الموقف لم يتوصّل لبنان إلى حلّ الخلافات السياسيّة الداخلية ولا إلى فضّ النزاعات القائمة تِباعاً على شرف السلطة، الذي انعكس على القطاع الوظيفي في لبنان، فانهارت رواتب الموظفين انهياراً لم يشهده من قبل حتى في عزّ الحرب الأهلية التي امتدّت من منتصف السبعينات إلى أوائل التسعينات ولم تسفر إلا عن خراب ودمار، وإزهاق أرواح أكثر من مائة ألف ضحية مجاناً، ليعود أرباب الحرب إلى الطاولة المستديرة نفسها حتى يومنا هذا، والمواطن اللبناني وحده من يدفع الثمن ويعاني ومازال.. فكثر الأنين واشتد الصراخ ولا من مجيب في الحكومة العتيدة أو في العهد القوي..
الصورة اختلفت كثيراً في مؤسسة طلال أبوغزاله العالمية، حين تلتقي موظف واثنان وأكثر ويُحدثك عن اختلاف الحال ليس في فرع المؤسسة اللبناني بل في جميع الفروع حيث تقرّر في مجلس المديرين لمؤسسة طلال أبوغزاله تخفيض الرواتب واعتماد الليرة اللبنانية بدلاً من “الدولار” العملة المعتمدة سابقاً في فروع المؤسسة في لبنان، على غرار كل فروع الشركات الكبرى على الأرض اللبنانية، وبدلاً من الاستسلام للأمر الواقع كما كافة الجهات العاملة، آثر الدكتور طلال أبوغزاله الانتصار للموظف وعوضاً عن إبدال الراتب كاملاً، إلى الليرة اللبنانيّة، قرر صرف “نصف الراتب بالدولار، والنصف الآخر بالليرة اللبنانية”، وهكذا يكون قد قفز راتب الموظف إلى الضعف بل ذهب إلى أبعد من ذلك بدفع راتبين في الشهر الواحد في أكثر من مناسبة وبدلاً من صرف العاملين في المؤسسة وإنهاء خدماتهم كما حصل على الصعيد العالمي العام، ترك باب التوظيف مفتوحاً وخاصة في المملكة الأردنية، بإتاحة الفرصة لكل صاحب كفاءة التقدّم إلى المؤسسة والانضمام إلى طاقمها الكبير الذي يقدّر بآلاف العاملين في فروعها العالمية المئة، والسبب في هذا القرار الاحتكام إلى الضمير المُشار إليه أعلاه، ولو أن كل شركة في لبنان والعالم توصّلت إلى هذا الحلّ، فلن تصاب الشركات بالإرباك، ولن يصاب الموظف بالإحباط.. الأمر الذي أدخل خط سير العمل في انتكاسة حقيقيّة زادت من تدهور الأوضاع الاجتماعية في الكثير من الدول وخاصة في لبنان الذي وصلت الأوضاع فيه لدرجة مؤلمة، وربما لأن لبنان البلد الذي أحبّه طلال أبوغزاله وهذا أمر يعلمه القاصي والداني، والذي يعزّ عليَّه جداً ما آلت إليه الأوضاع الحياتيّة فيه، لم يتردد في مخالفة قرار المديرين والحفاظ على رواتب العاملين في فرع المؤسسة بلبنان بمعادلة تضمن لهم الاستقرار المادي والمعنوي، وهذا ما تسمعه من أي موظف “جعلنا الله من أصحاب الكفاءات ومن صميم المَلَاك العامل هناك” أو مسؤول في المؤسسة سواء في لبنان الذي للأسف لا طائل هنا إلى تشخيص أسباب الانهيار فيه ولا إلى تشريح الحالة التي دخلت مرحلة حرجةٍ من المخاوف بالتدخّل الخارجي إذا لم يتوصّل الأفرقاء إلى ابتكار العلاج الفوري.. كذلك في عمان الذي تعامل فيه بالمثل وحافظ على رواتب جميع العاملين في المؤسسة بل ضاعفها في ظلّ الأزمة ولم يستعن أبوغزاله بأي مسانده من الخزينة الأردنية حسب جريدة “الدستور” الأردنيّة والعديد من المواقع التي نشرت الخبر بالتزامن مع الصحيفة المذكورة، بل لايزال أبوغزاله الذي نتمنّى لكل رب عمل أن ينتهج نهجه، ويؤمن مثله بالحرص على العمل وعلى العامل، ويؤمن بضرورة المواظبة، وبضرورة الاستمرار، ليكون النجاح نتيجة حتمية للإخلاص والالتزام.
وأخيراً ورغم كل الظروف لابدّ من التوسّم خيراً بالعام 2022 ورغم كل قراءات الدكتور أبوغزاله التي تطالعنا على امتداد اللقاءات والمواقع والشاشات وصفحات التواصل التي لطالما حذّر فيها ويُحذّر على الدوام من مغبّات الكثير من السياسات والعواقب..
حسبنا في هذا كله تقديم التهنئة بالميلاد المجيد للجميع في كل مكان، ولابدّ من تمنيات الخير للأمة العربية بسنةٍ سعيدةٍ، مليئة بالاستقرار السياسي والاقتصادي، والطمأنينة الصحيّة التي يفتقدها العالم أجمع.

خاصّ – إلا –