الثلاثاء , 25 يناير 2022

على هودج الأبجديّة ترتقين مقاليد الحلم “فواغي صقر القاسمي”

Spread the love
فواغي بنت صقر القاسمي

فواغي بنت صقر القاسمي

    أبدأ من حيث انتهى المشهد الذي لم أره ليلة حاصركم الضباب، وأستعيد ذاكرة الحدث الذي لم أسمع عنه إلا ماتيسّر منكِ ومن سطور تناثرت على امتداد الأثير هنا وهناك، فأكتبُ بقليلٍ من الحذر، وأكتب بكثير من الحمّى التي استعرتها من حميميّة وداعتك وجزيل ثقتك التي لن أدعها تخيب،  وأكتبُ إكراماً للحصافة التي دخلتْ منذ أمدٍ عنيد، غياهب الغيبوبة علّها تعي لتستفيق، …

الزمان: يوم خارج عن التقويم،
 التوقيت: حسب عقارب الحسم  التي تواعدت على المؤامرة،
المكان: رأس الغيمة التي أمطرت سواداً، وشتاتاً، وغفلة،
السياق: وطنٌ مسلوخٌ عن الوطن، محكومٌ إمّا  النسيان أو العزلة، بوصلته لؤلؤة القلب وإن كلّفه الأمر منفرداً عبور المحيط..
التفاصيل:

غادا فؤاد السمان

غادا فؤاد السمان

    كلّ التفاصيل تبعثرت إذ لم تجد مستقرّاً لها لتنمو بحريّةٍ عند أطراف الحكاية، ففصولها كانت أدنى من الحذر بكثير، وأقلّ من الوهلة بقليل، فقط كانت المفاضلة التي فاز بها لفيف النسوة المتلفّحات بالغلّ والمتزنرات بالغيرة شاهدَة النفل الآثم، وكنتِ أنتِ سيدة الوجع بلا منازع، وجع الاقتلاع من تربتكِ الأمّ، ووجع الامتناع عن مزاولة الشرعية، ووجع الفصل عن مشيمة الانتماء، ولم يكن أمامك غير شال الفجر تتلفحين به على عجل، تفترشين السراب، وتتوسدين الفزع، وتغطّين في ابتهالٍ عميق، وحولك أجنحة صغيرة تتحرّك بقلق.. وتتخبّط بِحَيْرةٍ هائلة، ليلتان وبعض عراء أمضيتِهما بعيداً عن العيون المتربّصة كالصقيع، وكان في داخلك الدفء الكفيل بالصبر حتى مغيب التضاريس التي ابتلعتها المسافة المعدنيّة، وأنتِ ترتفعين، وترتفعين، وترتفعين، وصولاً إلى مدينة الضباب.
    حالمٌ جدّاً هذا المساء… قالها لكِ العاشق الذي طواكِ بين أضلاعه وزرعك داخل وريده ليجنّبك صقيع الغربة ومطبّاتها الباهتة، دون تردد وببلاغة الشاعرة التي تسكنكِ أجبتِ: بل حالك ليس إلّا…، أردف يحاول اختلاق حوارٍ ليقطع به دابر السكوت المباغت قائلاً: أبيض هذا الهواء الذي تكتظّ به المدينه…، لكنكِ بذات النبرة التي تفيض بانفعالاتك الساخنة الطريّة كضفّتي جرح رددتّ: بل رماديّ لا أكثر. تملّكَتِ الحيرةُ فارسَك الذي آثركِ دون تردّدٍ لحظة ساوموه المساومة التي لا خيار ثالثَ فيها إمّا أنتِ وإمّا العزْل، وآثر العزْل على الصولجان ليفوز بنضبك دائماً، لكن معك ليس من السهل الاستسلام للسكوت الذي يعتريك بشراسة، كان لابدّ من التحايل على صمتك المُستبدّ، بتحريرِ مزيدٍ من الكلام من خلف شفتيك المقفلة عن الابتسام حتى إشعارٍ آخرٍ من الوجوم على أمل انفراج أساريرك وإنْ على مضض!
    الوقت يمرّ بطيئاً عند منعطف الذكريات، يتلكأ عند أعتاب المحطات المخطوفة دون ملل، يمشي ببطء شديد باحثاً عن السجّاد الأحمر الذي سُرِقَ من “الخالد ” في وضح النهار، ليس عجزاً يحتسي الوقت أنخابه بشيء من الإفراط فيترنّح مثقلاً بالمرارات والغصّة، الوقت ورغبتك الملحّة “فواغي ”  في إجهاض الغمّ الرابض في -الحشا –  ليستولد بديله من الشغف، ولا شغف يفوق شغف الكتابة، كتابة الجرح للتعالي عليه والتغاضي عنه بموسيقى الحرف، ونحت المشهد، وتلوين الصورة، ووليّ اللهفة معكِ  يكابد المستحيل ليحظَ بركنٍ آمنٍ مستقلٍّ ومستقرّ، يُشبه الملامح الغائبة عن استراتيجيتها، الغائبة عن فاعليّتها، الغائبة عن لُحْمتها وقماشتها وبيئتها وأساسها وتراثها ومجالسها وشعبها ومشوراتها، حيث تتزاحم جذور القبيلة لتستعيدكم على امتداد ملاعب الفعل والفخر والجدوى، جَلود ولّي اللهفة كما الوقت وهو يتقن فنون الانتظار، والانتظار يعني الصبر، والصبر كفيل بالصابرين، هكذا مضيتما في طريقٍ محفوفةٍ بالصبر، وممهّدةٍ بالصبر، ومتشعّبةٍ بالصبر، وعند مفارق الصبر، تكمن متانة اليقين، يقين المنطق والمعقول والحتمي، سلاحه الرؤية البعيدة النظر الذي يتخطّى بفضلها من جلس هناك عنوةً فوق مجلسِهِ، وتعدّى على حُرمة الشرعية، وحريمها تتوضؤ بالحنّاء والزغاريد وأنتما تُزَفّان إلى البعيد، وليس كلّ بعيدٍ مقرّ للنسيان بالضرورة الحتمية، بل ربّما كان منصّةً واعيةً لاتّساع الخطوة القادمة ولو بعد حين، الخطوة التي تحفظها المواثيق وتتناقلها الدساتير، الخطوة التي تترقّبها الحشود المتلهّفة لفارسها الخالد الراقي الشجاع، المتسلّح بكِ أيقونة الضوء، والمتسلّح بالعهد الذي قطعه لمصلحة البلاد، باستعادة الكعكة المقضومة على موائد الجوار بحصصٍ متساوية والمُسمّاة “طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى ” مهما كانت العثرات وتنحيكما كان أول البلاء ولن تتنازلا مهما تعاقب عليكما من مِحَن هكذا كان يؤكد بريق عينيك وأنتِ تحدّثيني كما شهرذاد الحكايا عن مأساة الأرض المُخْتَلَف حولها، وهكذا كان الرهان المنصرم ليس اقتلاعكما من مربض الفعل وحسب حين تجرّأتما بفتح “الملفّ “، بل الرهان المتواصل على نسيانكما أهمّية الفعل ووجوب الالتزام بحتميّاته وبديهياته، وذلك ما لن يكون طالما الوطن غايتكما وطالما الإصلاح وجهتكما وخاصّة أننا بلغنا “زمن” الإصلاحات القصوى وزمن التغيير الحقيقي وزمن الإرادة الجبّارة، إرادة الشعوب التي تعرف ماذا تريد وما ذا تختار وبمن تطالب ليكون وصيّاً وحاكماً وحكيماً عليها، وأنتما مطلب الأحرار التي لم تصمت، ولكنها لم تنتفض بعد، لأنّكما لم تكونا يوماً الفعل الذي مضى، بل لأنّكما الفعل الذي يُضارعُ بكامل حيويّته وحاضره بالعقل والمبدأ والنور، ويقارع بالمنطق والثقافة والإيمان، فمهما استطال ليل الظلم لا بدّ من فجرٍ يُجليه، وفجر الحرّ لناظره قريب، أعلم أنني أستلّ الطريق الخلفي للمجاهرة، الطريق الذي لن يعرف طريقه المتزلفين والمُدلسين وصغار الكسبة كغيره من الطرقات المكتظة بهؤلاء، لكني هكذا اعتدتُ أن أسير خلف الحصان الخاسر لأنه يمضي وحيداً دون صخب ودون جَلَبةٍ أو ضوضاء، يمضي واثقاً وهدفه واضح ومسعاه حكيم، نقيض الحصان الرابح الذي ينتشي بآنيّة الكسب السريع فتعمي أبصاره المتحاشدين إليه، وتصمّ أسماعه المتهامسين عليه، وحده الغرور يواكبه إلى أقرب مطبّ يسقط فيه فينفضّ من حوله الجميع، لهذا أوثّق الحدث التاريخي كمنحوتة بلاغيّة عصيّة على الشطب أو التهميش، بل لتصير لازمة من لوازم الحراك المستشري في أوردة الجيل وشرايين المنطقة ومفاصل الأوطان، كمقدّمة لما هو آت بإيجاز متعمّد لمعظم تفاصيل ما كان تمهيداً لما سيكون، والله وليّ حميم وحكيم وحليم.

*غادا فؤاد السمان

المصدر: تحــولات