الخميس , 23 يناير 2020

ترامب وإيران وغِلمانُ السياسة

د. محمد الجاغوب/ كاتب وأكاديمي فلسطيني – القدس

 

الرئيس ترامب وإيران وغِلمانُ السياسة خصوم إيران زعموا أنّ مَقتل قاسم سليماني كان بالاتفاق مع أمريكا للتخلص من ذلك الرجُل، ولما أصرّت إيران على الانتقام قالوا: هذه تهديدات جوفاء، ولما قصفت إيران القواعد الأمريكية بالصواريخ قال أحدُهم: هي صواريخ من الدُمى والألعاب لا تؤذي أحدًا، ولما اعترف ترامب بالخسائر المادية التي لحقتْ بمنشآت القاعدتين قالوا: هذه مسرحية مُتّفق عليها بين أمريكا وإيران..!

هؤلاء الخصوم لا يَصدُرون في كتاباتهم عن منطق يقبله العقل، ولكنهم يَصْدُرون عن تعصّبٍ أعمى، منه تعصبٌ مَذهبيّ ومنه تعصبٌ عِرقِيّ.!

وأيّـًا كان السبب الذي يَصدُرون عنه فإنّ أقوالـَهم لا تنطلي على ذي بصيرة.. وبِصَرفِ النظر عن حَجم الخسائر التي لحِقَت بالقواعد الأمريكية فإنّ القصف الإيراني في حدّ ذاته يُعدُّ تطاولًا على الولايات المتّحدة وانتهاكًا لمَكانتِها ويُلحِقُ الأذى بِسُمعَتها، فبعدَ ذلك كيف يثقُ بها حُلفاؤها الذين اعتادوا أن يَحْتموا بها، وكيف يَسْكنُ إليها أصدقاؤها وهُم يرونها تفشل في الدفاع عن قواعدها..؟!

ثم.. حتى لو سَلّمنا جدلاً بمقولة أولئك الخصوم، أن الضربة الإيرانية كانت بالاتّفاق فهذهِ سابقة خطيرة، وليس في صالح أمريكا أن تقبل بحفظ ماء الوجه لإيران على حساب ماءِ وجهِها وأمنِها ومكانتِها وسُمعتها، وموقف الرئيس ترامب في هذه الحالة يشُبهُ موقفَ “الدُمستق ” قائدِ جيش الروم في معركة الحَدَث التي جرَت بين جيش الروم وجيش سيف الدولة الحمداني أمير حلب، حيث تغلّبَ سيف الدولة الحمداني على الدُمُستق وأصابه بجراح، وفرّ الدُمُستق هاربا من ميدان القتال تاركا وراءٌه ابنَه أسيرًا، وكان الشاعر المُتنبي وقتها مُرافقا لسيف الدولة وشاهداً على أحداثِ المعركة، فكتب قصيدةً يمدح فيها سيفَ الدولة الحمدانيّ ويسخر ُ من الدمستق، قال فيها:

“نجوتَ بإحدى مُهجَتيكَ جريحةً                      وخلّفتَ إحدى مُهجَتيكَ تسيلُ…

أتُسلِمُ للخطّيَة ابنَكَ هاربًا                           ويَسكنُ في الدنيا إليكَ خليلُ.؟!

إذا لمْ تكُن لِلّيثِ إلاّ فريسَةً                          غذاهُ ولم يَنفعْكَ أنّكَ فِيلُ..  “

هذا هو حال الرئيس ترامب هذه الأيام، سُكوتُهُ على إيران أو قبوله بما قامت به إذا افترضنا أنّ ما جرى كان مسرحية مُتفقًا عليها، في الحالين ترامب آثر السلامة وتركَ حُلفاءهُ وأخلّاءهُ تأكلهم نارُ القلقِ والخوف، فكيفَ للرئيس ترامب أنْ يستعيد ثقة دول العالم بأمريكا بعدَ أن ضعضعتها الهجمات الإيرانية وسَجّلتْ في مرماها هدفا موجعًا وُ وَصَمَتْ جبينَِها بعلامة فارِقة إلى يوم الدين … !!

أما خصوم إيران مِن غِلمان السياسة فقد أسقِطَ في أيديهم وتوارتْ أقلامُهم خجَلًا وانسكبت فوقَ رؤوسهم مياهٌ آسِنة..!

 

خاصّ – إلّا –

 

الآراء والمواقف الواردة في المقال ليست بالضروة تمثل مجلّة – إلّا –

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*