السبت , 3 ديسمبر 2022

الشروع في تعرية الجسم الثقافي

غادا فؤاد السمّان/ شاعرة وكاتبة سورية – بيروت

ثمّة مسألة إشكالية بامتياز، وقد بدأتْ أوْجُهَ الالتباس تتشكّل حولها، بعدما آلت شؤون الثقافة والأدب والإبداع إلى التردّي والتقهقر والاستسهال والتدهور، وذلك بغياب الكثير من المخضرمين والمتمكّنين من صناعة اللغة والتمرّس بها والإلمام بمداخلها ومخارجها وأعماقها وأبعادها وسبر أغوارها للوقوف على دلالاتها، واستنباط معارجها الفكرية والثقافيّة والابداعيّة، وبعدما انحسرتْ تماماً الحركة النقديّة، وانعدم بالتالي الشغف بممارستها من قِبَل المختصّين الذين كانوا يملكون حقيقةً مفاتيحَ الجُزُرَ الابداعيّةَ، وبوصلاتها التي غرقتْ غرقاً تامّاً، بعدما تحوّلت إلى مجرّد مستنقعات راكدة، بتراكم فيها النِتاجات الطفيليّة تِباعاً، والتي وَجَدَتْ هوامشَ حديثة، لتوطيد الصلات وتبادل المصالح المشتركة بالقفز فوق حبال الأثير، وأساطيح التواصل الاجتماعي، لأجيالٍ بالكاد خرجت من أقفاص محو الأميّة، دونَ ذاكرة، ودونَ مخزون، ودونَ تراث، ودونَ قاموس، ودونَ منهج، ودونَ خبرة، ودون موهبة.

كل ما لديها حفنة من الأبجدية وطابور من المصّفقين، ودفتر لمواعيد ومناسبات مفتعلة كثرت فيها الدكاكين الثقافيّة، والبارات الأدبية والشعريّة، ناهيك عن انهيار الصحافة الثقافية، انهياراً شبه تام، بعدما تمّ تدمير الإعلام الهادف الجدير المجدي تدميراً ممنهجاً، بتنحية الإعلاميين المثابرين على درب الثقافة والمجتهدين بالتنقيب في حقولها، ليحلّ محلّها الإسفاف والانحطاط والرخص والبذاءة وقد تصدّرت دائرة الضوء البهلوانات الإعلامية، وصار المهرجين أرباب البرامج التي لا تقدّم سوى الضحكة الساذجة والأفكار الغثّة متعمّدين تغييب المثقّف الحقيقي والمبدع القادر على حمل مشعل الأدب والفكر وإنارة الدرب للأجيال المتخبّطة في ظلام الآني وعتمة المستقبل المبهم المريب.

لم نعد نسمع عن شخصيات أدبية مكرّسة، وما تبقى لدينا من أحياء مكرسين للأسف نجدهم متخمين بنرجسيتهم وأنانيتهم الفاقعة والمنفّرة، أما عن الساحة الثقافية فهي تعج بالمتطفلين والطفيليين والدخلاء، ناهيك عن المنافقين وهذه الفئة هي الأخطر، لأنها استطاعت أن تصطاد في الماء العكر وتجد لها صيداً وفيراً من صميم المستنقع الثقافي، الذي توقّف عن الخدق، والخفقان لدى الجمهور، بل أصبح مجرّد مستنقعٍ آسنٍ داخلَ بؤرةٍ محدودةٍ من المصالح، والعلاقات، والترويج المأجور، والهمروجات المفتعلة لفقاعات، لا تستطيع الصمود لحوار ثقافي حقيقي لافت في وسيلة إعلامية تحترم ذهن المتلقي على أي صعيد.

وهنا أول من يلام هو تلك الوزارات التي تحمل ألقاباً فضفاضةً، وخاوية المهام، كوزارتي الثقافة، والإعلام، حيث معظم العاملين تحت سقفيهما لا يميزون بين أدب طه حسين من طرب محمد طه، الأمر الذي جعل من العامّة في المنطقة العربية، تساهم في فرز الكثير الكثير من تجار الصدفة وبائعي الألقاب، ومروجي الدروع والجوائز والتكريمات و”التقديرات “، بإقامة مهرجان أدبي هنا، ومؤتمر ثقافي هناك، يتمّ فيه بيع ودفع مسبق، ومتّفق عليه، للمشاركة في المناسبة وتقاضي الامتيازات، بعد تسديد ثمنها بين المُكَرِّمِ والمُكَرَّم على أكمل تفاهم وتنسيق وتواطؤ ومنفعة.

هكذا غابت التجارب الإبداعية الحقيقيّة لسببين، الأول أنّ المبدع الحقيقي يُعاني اليوم من الحاجة والعوز والفاقة والضائقات المختلفة، اعتباراً من ضيق ذات اليد، وانتهاءً بضيق أفق المجتمع الذي ينتمي إليه، وبذلك يكون قد صرف عمره، وجهده، وسنواته، إيماناً منه بأهميّة الإخلاص للفكر وللثقافة العربية، غير أنه يجد نفسه مع مرور الوقت وبعد فوات الزمن والأوان، بأنه لا حول له ولا قوة، وليس له من معيل سوى الله يتّكل عليه ويتآكل حزناً وكمداً وقهراً وإحباطاً وخيباتٍ ناهيك عن التغيّب المتعمّد، فهو لا يملك ثمن شراء لقب أو جائزة تُذكَر ليلفت الانتباه، للقول أنني مازلت هنا حيّاً أكتبُ وأفكرُ وأنتجُ وأتنفّس.

كما أنه هناك نوع آخر من المبدعين الذين يحترمون أنفسهم، ويؤثرون قبول تغييبهم المتعمّد عن المشهد الثقافي على القبول بامتيازات تجّار المرحلة، الذين يجيدون المساومة على كرامة وكبرياء المبدع أمام مراياه التي يأباها جملة وتفصيلاً ويرفض وبشكل قاطع منح أيّة فرصة لهؤلاء السماسرة فرصة الحصول على التواصل معه بأي شكل من الأشكال.

لهذا ينبغي على الجهات الرسمية.. إسقاط هذه الظاهرة المشبوهة تماما من جسد الثقافة العربية، والتي تمثّل الخلايا السرطانية المستجدّة والمتمدّدة، والتي تهدّد فعليا الجسد الثقافي، وحياته لهذا لا بد من استئصالها من جذورها حتى لا تتفاقم أكثر من ذلك، فهل المتنبي حمل دروعا وجوائز وشهادات تقديرية لنتاجه الابداعي الصامد والمتداول ليومنا هذا، وهل الفرذدق وجرير وحتى الخطيئة كان أيّ منهم يحتاج إلى مناسباتٍ مفتعلة ومطبلين ومزمرين، لنتيقن من مواهبهم الحقيقية الراسخة في الذاكرة العربية عبر الأجيال دون جهد يذكر، فقط نحن بحاجة إلى دور الدولة التي تحترم مواطنيها وتعمل على إنصاف المتفرّغين للأدب والثقافة، والذين يملكون شخصياتهم الحقيقية ومواهبهم المتفق عليها، بإفساح المجال الإعلامي أولا.. وهنا دور وزارات الإعلام ووزرائها، الذين يتمترسون بأبراجهم العاجية لا يفقهون من أمر الثقافة سوى اسمها، ودور وزارات الاعلام ووزرائها الذين ينساقون خلف هذه الفنانة المستهترة وتلك المتصابية المدججة بالمساحيق والخلاخيل والبوتكس ويتغاضون عن احتكار الشاشات للانحطاط والاسفاف والرخص والسفاهات..

وعلى الدولة التي تحترم نفسها قبل أن تحترم مبدعيها بأن تخصّص للمتفرغين برسم المشهد الثقافي وتنشئة البنية الثقافية، راتبا شهريا لا يقلّ عن راتب مهندس أو طبيب أو عالم ذرة، فالبنية الثقافية لبناء المجتمع لا تقلّ أهميّة عن عمل أيّ دارس يحمل شهادة توثّق توجهه العلمي إن لم نقل أن المثقّف والمبدع دوره في بناء المجتمع يزيد، فالبنية الاسمنتية قابلة للهدم، لكن البنية النفسية والذهنية، بما فيها هندسة الذائقة الانسانية للفرد هي البناء الأساس والهام جداً لدعم المجتمع، وتماسكه، وصحته، وتقدّمه، وتطوّره وتفوّقه أيضا.

فلا أحد يعلم من كان وزيراً للثقافة في زمن شكسبير، ولا أحد يذكر أمهر الأطباء في زمن بودلير، ولا أحد يلتفت إلى أشهر مهندس في عصر لوركا، ولا أحد يسأل عن أبرز مقاول في زمن لطفي المنفلوطي، ولا أحد يكترث إلى رئيس الوزراء في زمن نزار قباني.
إذاً  الكلّ في المجتمع مجرّد مواقع تنتهي أصحابها بانتهاء سنوات الخدمة، إلا المبدع المثقّف الحقيقي فكل كلمة يخطها يراعه، بوسعها الصمود، وحمل اسم صاحبها، ودولته، ومجتمعه، إلى ما لانهاية من الأزمنة والعصور.

 

خاصّ – إلّا –