الخميس , 23 يناير 2020

حبّة بنّ قبل الرحيل وبعده

غنوه فضّه / قاصّة سورية – بيروت

شمعٌ أحمرٌ, وشريطٌ لاصقٌ , وقفل . خيبةٌ وغيمةُ غُبنٍ اجتاحت ملامحَ وجهِه , وصكُّ حَجْرٍ صِحِّيٍّ إلى جانبه اتّهامين؛ أحدهما بالاختلال و آخر بالجنون .
لمْ يكن ليتوقّعَ أن تكون الخاتمةُ على ما آلتْ إليهِ , ولم يكنْ ليتصوّرَ أن تكون إلّا بين حبّات البنِّ المطحون , ورائحةِ الهيل والمسكة؛ التي تعشّقت بأصابع يديهِ على مدى خمسينَ عامٍ .على الأقلّ , ما كان يتمنّى أن تتواطأ السّماءُ مع قسوة الواقعة التّي ألمّتْ به على حين غرّةٍ .

كان من الممكن أن تؤجّل فعلتَهَا , وتتعاطف و إيّاهُ , و تَعزفَ عن الهطول ريثما يصل إلى محطتّه الأخيرة بين جدران الموت الباردة. أمَّا وكما بانتْ عليه , أنّى لها التعاطف وهي تمطرُ كسربِ سحابٍ يحوم فوق رأسه لوحده ؛ وسط عالم مصابٍ بالجفاف والتشققّ.
كانت شمسُ الشتاءِ, تحاول بخيبةٍ أن تتسللّ بين الغيوم الداكنة في ذلك الصباح التشرينيّ , حيث كانت المرة الأخيرة التي يلمح فيها ” عرفانُ ” العجوز واجهة دكان القهوة خاصَّتِه . صعد إلى الحافلة التي ستُقِلّه لمأواه الأخير , وحشر نفسهُ , على مقعدٍ باردٍ , بين ممرضَين يتّشحانِ بوجهٍ أشدَّ برودة , وانطلق .
*
الوافدُ الجديد . الوجهُ الذي لا تخفى على أيٍّ من قاطِني المكان خلفيّاتُ مجيئه . خذلانُ ابنٍ عاقٍّ , غربةٌ , أو فقدانُ أحبةٍ قضَوا تحت رحمةِ سلطان الموت , ومابين الوجوه الواقفة والمُقْعَدة , كانت تموجُ سعلاتٌ و أنّاتٌ . ارتعاشاتٌ و انقباضات قاسِمها المشترك توجسٌ , مبهمُ الملامح , لِطيفٍ قادم من المجهول . لم يكن التوجّسُ خوفاً , بل كان هلعاً لإخفاء ذلك الحنين الغائم لأحبّةٍ يتمنّون طرحَ الزّفرة الأخيرة , بعيداً عن مرارة الافتراق ببطءٍ عنهم , و قريباً من حضورهم الذّي لم يتثنّى لهُ أن يُسجّل على قيد الوجود.
وحدَهَا كانت تتكّئ إلى ساعِدَي مقعدها هائمةً ؛ تتملّى بحر المدينة . تنزوي صموتةً كقبر ؛ كأنّها الفناء .لم يكن لينسى ذلك الوجه . الوجهَ الذي بقي في ذاكرته حاضراً حيّاً . استطاع بين أروقة الماضي المخطّطة بالأبيض والأسود أن يقرأ ما خاضه بين شبكةٍ من التجاعيد والتغضّنات , والتي لم تُفقده اتّساعه و رِقّتَه . عينان مضيئتان , ووجهٌ ممتلئٌ رقراق . تعابيرٌ ترسم مبْسماً ما زالَ فرعونيّاً مهيباً , تُحدّد تحتها شفتين باقيتين ممتلئتين ككَرمة .
صُورتها التي ما فتأت تعشّش بين الدم والدم ؛ شقراءُ الحيّ”حسنا ” , ابنةُ الزمن البعيد بُعدَ القيامة . بدلةُ المدرسة الزيتية , والجديلة التي كسا الشيب شُقرتَها . الابتسامةُ المشوبةُ بالحياء , يومَ كان صبيّاً أجيراً تحت رحمة آمِرٍ متنمِّرٍ. لأجلها , كان يتحمّل كيلَ الاتّهامات و اللكمات . يتعمّدُ بالسرّ أن يزيد من وزن عبوة قهوتها. , يرشوها بحفنةٍ من حَبِّ الهيل , أملاً بكسب عودتها إليه لاحقاً , أو ليحظى بفنجان بُنٍّ يجمعهما سوياً . كانت تُدرك فِعلته , وتبتسم , وتنسحبُ عائدةً أدراجها , لينسحبَ قلبه معها , فيُقسمُ للرّفاق عند المساء أنّه كان يلمح السماءَ تبرقُ وتمطرُ وترعد , كلما لاحتْ ابتسامتُها . يغرقُ عاشقاً , ويغرقُ الرّفاق ضحكاً وهزءاً ؛ يتّهمونه بالهبل والجنون .
كانت أمامه سرابَ ماء , وكان خارجاً من محنَتِهِ مُثقلاً بالعطش , وإليها مشى في مشيةٍ مهزوزة بالشوق , فمالَتْ عن البحر . نظرتْ إليه . لوهلةٍ , ظنّها تتوجس منه كما لو كان ملاكَ الموت نفسه , إلّا أنَّ دمعةً طفرتْ من عينها جعلتْهُ يعلم أنها قد تعرّفت إليه .رأتْ فيه كلّ شيء ؛ بدلةَ المدرسة الزيتية , فنجان البُنِّ الذي لم يُحْتَسى ,والابتسامة المشوبة برائحة حبِّ الهيل , والسماء المطيرة .
اقترب . وضع يده على يدها , وقال :
” أين هم ..؟ ”
بصوتٍ مُرْتجفٍ , لكن واثق , أجابت :
” هاجروا كلهم .. و أنت ؟”
هزّ رأسه بحسرةٍ و أسى .ابتسم بمرارةٍ , وقال :
” هجَّروني إلى هنا ” .
و بدأت الذاكرة تنفلتُ عن نفسها . راحتْ ترشقُ الأحاديث , عن ما حدث , وما كان يجب أن يحدث. عن المدرسة والاختفاء ,عن الحيّ . عن الشريك الغريب , عن الفقر والغربة . عن الدُّكان الصغير الذي صار كبيراً , وعن حصّالة المال التي صارت كنوزاً . لم يكن يعلم أن محطته الأخيرة ستكون على هذا القَدر من الأمان , ولم يكن يتوقّع أن أكثر الأماكن و أشدّها إثارة للذعر في قلبه , صارت بلقائها المفاجئ الأحبَّ والأنعمْ .
مرّ الوقت سريعاً كما يمرّ العيد على أطفال أشقياء . حلّ المساء , ولم يتنبّه العاشقان العتيقان أن المكان حولهما كان قد فرغ , ولم يبقَ فيه من إثرٍ لكحّةٍ أو رعشة .
قالت : “حلّ المساء “.
قال : “لأوّل مرة في هذا العام أشعر بالدفء . تعالي نكمل الحلم إلى منتهاه ” .
شدّها من يدها , وهمست بخوف :
” الجميع نيام ..إلى أين ” , فأشار إليها بالصمت , وبدأ العاشقان يهبطان على السلالم .
*
كَطفليْن عابثَين . كان العجوزان يتلصّصان , ويهبطان على السلالم ؛ يتكئان على بعضهما ويُقهقهان بهمسٍ غير مقصود , وتحت نور القمر الشتويّ الشّاحب , وقفتْ ” حسنا ” على بوابة غرفة المؤونة الخاصة بالمأوى , وكان ” عرفان ” يبحث عن شيءٍ لا تعرفه . يُفتِّش بين أكوام البصل و الطماطم , ويزيح أكياس الأرز و السُّكر . مرت لحظات قليلة , حتى رفع عكّازه بفرحٍ عارم , وصرخ “وجدته ” .
قبض على مبتغاه , و هربا إلى القاعة مسرعَين .
تحت نور شمعةٍ خافت , وإلى جانب نافذة مطلَةٍ على بحر اللاذقية . كان العجوزان يحتسيان فنجانَ الوعد الأول بنشوة ؛ فنجانَ الحلم البعيد الذي صار على قيد الحقيقة .
غازلها مُتعمّداً : ” إنّه فنجاني الذّي لطالما تمنيتهُ و إيّاك “.
أجابته بغنج طفوليٍّ بريء : ” أجل .. لولا تنقصه حفنة من حبِّ الهيل المعطر “.
ابتسم بثقةٍ , وقال ” أحلامنا اليوم محقَّقَة “. وضع يده في جيبه , وقبض على آخر ما تبقى له من دكّانه المستلب . أسقط حبتين في فنجانها , ومضى…..

 

قصّة قصيرة