×

من “الديار ” بدأتُ وإلى “الديار ” أعود

من “الديار ” بدأتُ وإلى “الديار ” أعود

غادا فؤاد السمّان / كاتبة وشاعرة دمشقيّة – بيروت

 

قرابة ال 25 سنة مضت حين كانت أولى محطاتي مع الصحافة اللبنانية في جريدة “الديار” بعد انطلاقتي التي سبقتها وبسنّ مبكّر عبر الصحف السورية التي كتبتُ في مجملها وهي ” تشرين ، البعث ، الثورة ” يوم كانت الصحافة السورية تنعم بالمدراء العامين المعنيين بإنجاح المؤسسة، ورؤساء التحرير المهتمين بشراسة بالمنافسة مع ماتيسر من صحف لبنانية وعربية،  وكانت تعجّ وتضجّ بالكتّاب والأدباء والمبدعين الذين ذاع صيتهم، وحفروا مكانتهم عبر الذهنية العربية بجدارة، على الرغم من ندرة وسائل التواصل كالمُتاحة اليوم، حين كانت المقالة بمثابة “بوصلة ” يهتدي إليها الجموع من القرّاء والمهتمين لتكون بمثابة مادة دسمة للنقاش، عبر المقاهي والصالونات واللقاءات المتعمّدة أحياناً على شرف مقالة هنا أو مقالة هناك، ويدور تحت القباب المذكورة أهم الحوارات، وتسجّل أهم المواقف فيشعر القارىء أنه جزء لا يتجزّأ من النصّ المتداول وأنه شريك مساعد ومساند للكاتب على اختلاف توجّه المقال، سياسيّاً كان أو اجتماعيّاً أو اقتصاديّاً أو أدبيّاً.. ولكن الحال تغيّر شكلاً ومضموناً بعد ربع قرن من الزمن، إذ صار الجميع يكتب والجميع يقرأ والجميع يفهم، وصارت البطولة، الحقيقيّة أن تجد زاوية ميتة لتحييها بشيء من الوعي والإدراك والمسؤولية، فالصحافة السورية خرجت من دائرة اهتمام القارىء وخاصّة المثقّف بعدما خذلته بتهميشه، وخذلها بمثابرته، وهكذا انفضّ عنها إذ لم يعد يجد في الصحيفة ما يثير شغفه أو حتى فضوله، بل على العكس، مجرّد مواضيع تنقلها الأصابع وتعيد تشكيلها الأيادي وتنشرها لملء الورق، لا لامتلاء الذهن والقلب لتكون دافعاً بشكل أو بآخر..

هكذا الحال بالنسبة للصحافة اللبنانية التي بهتت شيئاً فشيئاً، بعدما غابت مجمل الأصوات المرتفعة التي تحمل هدفاً وهمّاً وتطرح باستمرار قضايا مصيرية عالقة، وقد انحسرت نسبياً، لصالح التراكم الاجتماعي، الذي استقطب أعتى الكتّاب، وقد أعلنوا جنوحهم للكمّ وليس للكيف، وصار أكثر ما يروقهم في لعبة الكتابة تلك العدادات التي لا تهدأ لحصر عدد المتصفحين، وعدد المعجبين، وعدد المجاملين، وعدد المنافقين، وعدد المتابعين، وكأّنّهم انتقلوا من الكواليس إلى المنصّة للاحتكاك المباشر مع الجمهور، إكراماً لعملية التفاعل الفوري التي أدخلت الجميع تحت طائلة الإدمان لتسجيل الأعداد لا لتنويرها، وهذا الحال لا شكّ يثلج صدر السياسي في كل مكان، فلم يعد هناك صحافي يجرؤ أن يضع القلم في عين المسؤول كما كان يفعل “جبران تويني ” رحمه الله أو “سمير قصير ” بصرف النظر إن كنت تلتقي مع وجهات نظرهم أو تختلف، فقد اطمئنّ المسؤول في مفاصل الحكومة إلى سلطته المطلقة، وصارت مساحة الحرية أكبر مما يتمنى ليمارس صلاحياته بمنتهى الفساد، ويستثمر إمكاناته على أكمل اختلاس، معوّلاً على انشغال معظم الكتاب بوسائل التواصل ومرتاحاً إلى وضع الصحافة الورقية التي تعاني الجمود النسبي والركود والكساد والفتور، هكذا المشهد العام الذي أعطى الفرصة السانحة لتكبر أرصدة الدين العام لتصل إلى 80 مليار $، تصلح لبناء مجتمع لا يقل رخاء أو حجماً عن دولة مثل ماليزيا، في حين أن مشروعاً كالكهرباء مثلاً وهو أبسط المشاريع لمجتمع بدائي، وليس حضاري متنوّر كلبنان، لا يزال ملف الكهرباء فيه يُتَناقَل بالتواتر من وزير إلى آخر، دون تحقيق أي تقدّم أو إنجاز يُذكر، وعندما شاءت صحيفة الديار أن تسلّط الضوء على الملفّ المذكور لأنها لا زالت حاضرة وبقوة فاعلة على الأرض كصحيفة ورقية تحتفظ باستقلاليتها وحريتها وجرأتها، وتنبض بأنفاس صاحبها “شارل أيوب “، الذي تكالبت عليه جميع القوى السياسية والقضائية لإقصاء الديار كصحيفه لها جمهور واسع وعاشق لنمطها الراسخ والمستمر، والأهم في هذا كله كان إخماد صوت صاحبها “أيوب ” الذي يتقن فنون الصبر، ويجيد ضبط النفس عند الضرورة، ولو أنه يكتب بنزقٍ أحياناً يُلام عليه لا لشيء فقط لانه يمكّن منه كل المتربصين به، ويعطي الفرصة السانحة لمتصيديْ الكلام في الماء العكر بأن يصطادوا كما يحلو لهم، وبأيّة طريقة من الطرق تتناسب طرداً مع نبش الماضي “البائت ” الذي تمّ رفض إسقاطه بالتقادم رفضاً قاطعاً لمحاصرة مواقف شارل أيوب ومصادرة صوته، وحرفه، ودوره، كصحافي حرّ، شجاع، مقدام، وربما الأخير القادر على زلزلة عروش المستبدين.. يتبع ….. ربّما

 

المصدر: جريدة الديار اللبنانية

https://www.addiyar.com/article/1598868-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D8%A7%D8%B1-%D8%A8%D8%AF%D8%A3%D8%AA%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D8%A7%D8%B1-%D8%A3%D8%B9%D9%88%D8%AF

You May Have Missed