الجمعة , 28 فبراير 2020

ـ ليلة بابل ـ رؤية نقدية لاستنطاق التاريخ

حمودي عبد محسن / كاتب وناقد ومؤلّف عراقي – السويد

                                   

إن النص النثري القصير ” ليلة بابل” من كتاب (في مضاجع الملوك) الصادر عن دار طلاس عام 1987 للكاتبة الفرنسية جولييت بينزوني له أهمية كبيرة ليس لأن الكاتبة تعالج موضوعا يمس تاريخنا القديم فقط بل لأن الكاتبة تنظر إلى حضارة بابل بوعي تام كشكل من أشكال المعرفة التاريخية رغم القرون السحيقة التي تفصلها عنها، وما عودتها إلى الماضي البعيد إلا أشبه بمعاينة فلسفية لعناصر ذاك الوجود وأحداث تلك الحضارة منطلقة من كل المعطيات المتوفرة لديها عن بابل كحقيقة تاريخية موجودة، فبقدرة الكاتبة اللغوية والوصفية والبنيوية أحضرت زمن ذلك التاريخ، وأرجعت القارئ ذهنيا ـ تصوريّاً إلى الوراء آلاف السنين بتسلسل تتابعي لوقائع متجانسة في بناء تخيّلي، تنصهر في المعرفة الشمولية ـ الجمالية، ليندمج الخيال والحدث، إذ التاريخ هو أحداث مسجلة لا تقبل التأويل، وكذلك استطاعت الكاتبة أن تحرك الشخصيات في ترابط مع الجماعة البشرية من تلك الحقبة الزمنية، لتنسج نصّها ذا الامتداد الأنيق إلى طقوس وشعائر تُعبر فيها عن رؤيتها لذلك العالم الحضاري المنسلخ عن حضارة سومر التي منها ابتدأ التاريخ الحضاري البشري الأول، إذ تُعبر عن رؤيتها في حيّز تاريخي فلسفي محدّد بدلالة النص في المضمون والشكل واللغة، وقد اندرج ذلك في السمات الآتية التي أوجزها كما يلي: 

نتيجة بحث الصور عن جولييت بنزوني

جولييت بينزوني / كاتبة فرنسية معروفة لديها العديد من الكتب والمؤلفات

أولا: الافتنان والانبهار:

إن الكاتبة لا تخفي افتنانها وانبهارها بعظمة بابل، لذلك كانت دقيقة في الوصف والحدث والطقس الاحتفائي والعادة والخلق الأسطوري وفخر البابلي بمجده الذي صنعه لبلاده، فهي تشير إلى ذلك بنصها: ( لم يكن ثمة أبهى وأجمل لقلب امرئ بابلي من “الاينتمنانكي” فقد كانت روعته تنتصب شامخة بين المضلع الرباعي للهيكل الضخم الفسيح، وقصر الملك المزدان بالكتلة الخضراء من حدائقه المعلقة إحدى عجائب العالم القديم).

نتيجة بحث الصور عن حدائق بابل

حدائق بابل المعلّقة

هذا، وقد أرادت الكاتبة أيضا أن تكشف عن شئ جوهري آخر، إذ أنّ نتاج تلك الحضارة لم يكن بفعل نبوخذ نصر الملك العظيم القائد العظيم وسجين إرادة القوة والسلطة التي تبلورت حول شخصيته في الحروب وأسراها وعبيدها كما أطلقت عليه وثائق بابل القديمة والوثائق غير البابلية وإنما أوعزت الكاتبة أن تلك الحضارة وكما تؤكده الدراسات الحالية تعود بفعل إرادة الشعب البابلي وكوادره الوسطية في الفن والهندسة المعمارية والفلك والطب والأدب.

نتيجة بحث الصور عن نبوخذ نصر

نبوخذ نصر الملك البايلي

ولا يوجد أدنى شك أن جولييت بينزوني قد اعتمدت في نَصّها على كتاب هيرودوت الموسوم بعنوان (تاريخ هيرودوت) في وصفه لبابل خاصة وأنه كان مبهورا بفخامتها وضخامتها وعجائب معلقاتها كما كان الكسندر المقدوني يعشق روعة بابل لكن هناك الكثير من المصادر تشك في زيارة هيرودوت لبابل كما يدعي، وأنه اعتمد مستمعا لمن زارها من الإغريق أو غير الإغريق خاصة وإن كتاباته عن المعارك التي خاضها الكسندر المقدوني لم تكن بتلك الدقة.

صورة ذات صلة

هيرودوت / كاتب ومؤرخ يوناني

هذا واختلفت الآراء حوله فمن الباحثين اعتبره مزيف لكثير من الأمور التي تمس عادات الشعوب التي ادّعى أنه رآها سواء كانت مصرية أو غيرها. هذا وهو يعتبر أبو التاريخ لأنه سجّل أحداثاً ووقائعَ أدخلت البحث التاريخي في منهج التسجيل الذي لم يسجله غيره بهذه الضخامة والسعة بتسعة مجلدات التي يتناولها البعض بأنها مرت بإضافات أو تغيرات أو تحويرات فيما بعد موته، ولذلك يجب أن نعتمد على الاكتشافات الآثريّة والمخطوطات. هذا، وعندما تفحصت نص جوليت بيزوني وجدت فيه اتفاق عام عند الكثير من المؤرخين والباحثين.

ثانيا: الزواج المقدس:

إن بابل لم تكن صافية بعظمتها، ففيها من العيوب والظلم والتقسيم الفئوي للمجتمع نفسه الذي تتوزع فيه المراتب العسكرية أو الوظيفية أو الكهنوتية سواء على أساس الحظوة من الملك أو على أساس الملكية الخاصة أو على أساس السيد والعبد، فالكاتبة تتعرض في نصها إلى طقس ومراسيم الزواج المقدس البابلي الشهير الذي يتم باحتفال جماهيري غفير في أعياد رأس السنة ـ الربيع، نيسان ـ في الطابق الأعلى من معبد مردوخ، والذي ربما قصدت به برج بابل، إذ أنه سخر لاستعباد العذراء كجسد أنثوي لتلبية رغبة كهنوتية حشدت له الشعب ليبتهج ويمرح بعد انجازه.

نتيجة بحث الصور عن معبد مردوخ

معبد مردوخ البابلي

أن احتفالات رأس السنة تستمر أحد عشر يوما، وكانوا في يومه الخامس ينحرون خروفا فوق محجر المعبد ثم يرمونه في الفرات ليجرفه مع جريانه، ويعلنون توبتهم عن الخطايا التي ارتكبوها في العام المنصرم أما رمز الزواج المقدس عند البابليين هو الخصوبة ـ الإخصاب، الإنجاب ـ

الكاتبة تعري كهنة مردوخ ونفاقها وتتعاطف مع الفتاة العذراء التي هي محور القصة، والتي تقدم ضحية بريئة إلى الآلهة إلا أن في حقيقة الأمر تقدم ضحية لمغتصبها الكاهن كما يشير النص:(أما في الواقع فإن الإله قلما يواتيه الحظ فيتجلى بذاته لهذه الفتاة. إذن يجسده رئيس الكهنة شرط ألا يكون هرما أو ألا يليق شكلا. وإن حدث هذا الأمر لكان كارثة ترزأ بها محاصيل المستقبل. إذاك ينبغي للمليك أن يتفانى ويبذل نفسه مضطلعا بالمهمة هذه برضى وطيبة خاطر)

ثالثا: الكهنة:

وتعرج الكاتبة أيضا إلى دور الكهنة ليس في بابل فقط بل في تاريخ مجتمعات أخرى الذين يتقمصون دور الرب باستعباد جسد الأنثى العذراء، وأوردت حقائق مؤلمة معبّرة عن ذلك بمفردات أنثوية لتلبية رغبات الكهنة كما تشير:

“كما راح جسدها يتخذ تكويراته الأنثوية”

“تقدّم للآلهة بكارة بناتها”

“أن السرّ الغامض للجسد الأنثوي الذي لا يزال مختوما”

“كشح فتاة عذراء”

“سرّ المرأة الغامض”

“الباب السري الغامض الذي ينتظر هيكل العطاء والخصوبة”

والكاتبة أرادت من كل هذا هو الاستخفاف والسخرية من المجتمع الذكوري ـ الكهنوتي الذي يستعبد المرأة ويحط من قدراتها كقوة منتجة تمتلك براعتها وكفاءتها الإنتاجية سواء في العائلة أو المجتمع إلا أن الكاتبة بحماسة تعاطفها مع الفتاة العذراء والمرأة بشكل عام راحت تقترب من الأدب النسوي الذي يبرز معاناة المرأة في ظل هيمنة سلطة الرجل في المجتمع الأبوي مبتعدة بذلك عن النظرة الفلسفية الجدلية وطبيعة التشكيلة الاقتصادية ـ الاجتماعية التي يصنّفها المؤرخون إلى مراحل تطوّرية للمجتمع البشري سيما البداية كانت سلطة المرأة هي السائدة في المجتمع الذي يطلق عليه المجتمع الأمومي بل كانت المرأة تعبد في مجتمعات آسيوية قديمة، فهي تعتني بالأرض والأطفال، وقد ذهب بعض المؤرخين والباحثين بكون المرأة هي التي كانت تختار بعلها  بينما كان الرجل يهيم في البراري لمطاردة فريسته بغية الصيد، لذلك كان رمزها الإخصاب والإنجاب والتكاثر من أجل ديمومة الحياة، وهذا لا ينفي قدرة إدارتها لشؤون العائلة إلا أن اكتشاف المحراث بدأ الانتقال تدريجيا إلى المجتمع الأبوي بفعل صراع مرير وفقدت المرأة سيادتها، فليس التاريخ وصيرورته وحركته هو لوم وذنب كما تشير الكاتبة، وتوحي بذلك بفقرات:

صورة ذات صلة

“ومنذ حواء التي بها وفدت كل فرحة، وكل معاناة إلى الرجل، هذا البريء الساذج الذي انساق إلى الخطيئة انسياقا زاخرا بالجدل والبهجة”

“ومن هنا تأتي أيضا أقدم مبدأ، ألا وهو مبدأ (حقّ السيد)”

“وكان هذا المبدأ الشهير يمارس… وكانت الآلهة قد أعلنته كبيرة من الكبائر. وبعد أن أصبح (السيد) بالحقيقة سيدا لأنه شجاع بين الشجعان (أو محتال بين المحتالين) حلّ مكان الإلوهية المتداعية المنهارة)”

نعم، القدر لا يرحم، لقد انهارت بابل التي أدهشت الدنيا بفخامتها وضخامتها وعجائب جنائنها المعلقة ليس بفعل الصراع بين الرجل والمرأة، وليس بفعل الصراع بين السيد والعبد أو بين الآلهة أنفسهم بل بفعل غزو كورش الفارسي لها عام 539 قبل الميلاد بعد أن اتفق مع كهنة مردوخ في تسليمها الذين هم أنفسهم كانوا يمارسون سطوتهم في الزواج المقدس باسم رب الأرباب مردوخ، أجل سقطت بابل بتعاون كهنة مردوخ مع الغازي المحتل شريطة أن يتركهم يمارسون طقوسهم الدينية، ومنها أن يغتصبوا الفتاة العذراء باسم الرب في طقوس الزواج المقدس، فاستلم كورش مفاتيح بابل بطقوس ومراسيم دينية في معبد مردوخ، وليستمر حكم الفرس الأخمينيين مائتا عاما، وقد حولوا أرض الرافدين إلى إقطاعيات يحكمها القادة العسكريين الفرس.

نتيجة بحث الصور عن كورش

قدر لا يرحم أبدا، فلم تكن بابل شئ من التاريخ فقط بل كما تقول جولييت بينزوني “بابل وليدة فجر العالم مع سومر والتي بهرت القرون وخلبتها ” وكما قال هيرودوت ” بابل لا تضاهيها في عظمتها وسعتها مدينة أخرى “.

نعم، القدر لا يرحم، وقد دخل الكسندر المقدوني بابل عام 323 ق.م بعد انتصارات كثيرة حققها ضد جيوش الفرس التي كان يقودها ملكهم داريوس الثالث الذي قتله قادة جيوشه، فطاردهم الكسندر، وقتلهم، وهو كان يردد: “خنتم ملككم، فكيف لا تخونوني”، وها هم كهنة مردوخ يستقبلون الكسندر المقدوني وهو يمتطي عجلته الحربية ويفرشون له الأرض بالزهور وسط عزف آلات موسيقية، وتصاعد دخان من أواني فضية، وتراتيل دينية وأناشيد:” أهلا بالقادم الجديد” ويتقدمون به إلى القصر الذي بناه نبوخذ نصر، ليكون مقره، وليعيش حلمه أن تكون بابل عاصمة الأمبراطوية العالمية الجديدة التي منها سوف يربط الشرق والغرب بتلك الموانئ التي راح يشيدها على دجلة والفرات لكن الكهنة لم يتخلوا عن الزواج المقدس كي يكشحوا بكارة العذراء.

صورة ذات صلة

الإسكندر المقدوني / اسطورة عسكرية

نعم، القدر لا يرحم، مات الكسندر المقدوني في بابل عن عمر 33 عاما، وتشتت حلمه، ثم تشتت جيوشه إلا أن كهنة مردوخ ظلوا يواصلون طقوس الزواج المقدس رغم أنهم فقدوا مفاتيح بوابات الأسوار، وتفككت بابل التي أطلق الإغريق عليها بابليو.

إذن.. القدر لا يرحم، فمن أجل إدراك الحاضر والإمساك به، وضدّ القدر الظالم الذي رقدت تحته بابل، فلابد أن نستنطق التاريخ ونتحاور معه، ونلتفت بحنان إلى شيء آخر، إلى التعلّم من الماضي، فهذه النقلة التخيلية للواقعية التاريخية التي أحدثتها الكاتبة جولييت بينزوني بوعي تام لمعرفة الأنا الجماعة البشرية ذات طابع تعليمي أيضا، كي نتحاور ونؤرخ وجودنا في عالم متناقض.

 

خاصّ – إلّا –

تعليق واحد

  1. نهى الموسوي

    “بابل وليدة فجر العالم مع سومر والتي بهرت القرون وخلبتها ” (جولييت بينزوني)
    ” بابل لا تضاهيها في عظمتها وسعتها مدينة أخرى “( هيرودوت)
    بابل التي أدهشت الدنيا بفخامتها وضخامتها وعجائب جنائنها المعلقة وحضارتها انهارت

    هل سيأتي يوم ويقرأ اهل بابل تاريخهم كما قرأته الكاتبة جولييت بينزوني؟