الخميس , 30 يونيو 2022

هكذا تحدّثني حمص

عمر حكمت الخولي / مؤلف وشاعر / سوريا

عمر حكمت الخولي / مؤلف وشاعر / سوريا

 

 

     مر عام على سقوط المدينة، هكذا يتحدث سياسيون وعسكر لا يهمهم منها إلا كونها ساحة حربٍ استراتيجية. لم يكن سقوطها مدويّاً أكثر من سقوط أيّ جدارٍ فيها بعد صراعٍ طويلٍ مع الحرب، ومع الحبّ، والأمل.

    أمضيت ربع القرن الأخير في حمص، المدينة الهادئة التي توصف بالجنون والبَلَه. ربع قرن كان يمثّل كل السنوات التي قضيتها حيّاً، قبل أن أغادرها، إلى بيروت، لأشهر لم تطل كثيراً، إلى أن عدتُ بفعل المرارة التي يعيشها “سوريو لبنان”؛ مرارة اللجوء، والفقر، والتحزبات السياسية التي تأخذ بهم ذات اليمين وذات الشمال.  حمص التي تخلّيت عن لهجتها، وعن براءتها التي تلوّثت بفعل الحرب، لم أعرف قبلُ شوارعَ غير شوارعها، فكنت كلّما مشيت في شوارع بيروت الرطبة تختفي ثلاث سنين من ذاكرة الموت، لتشعّ حمص في عينيّ، كما كانت، آلهةً للبراءة والخصب. ربما لذلك عدت!

    لم تكن حمص يوماً مدينةً عاديّةً، بل كانت آلافاً من التفاصيل اليوميّة التي تميّز أهلها وهواءها وأرصفتها الوطيئة. كانت حمص ترتّب أيامنا على هواها، ليكون الأربعاء عيداً يختلف الحماصنة في تأريخه وتسبيبه. ولتجعل من كلّ خميس عيداً خاصّاً بها؛ خميساً للأموات والحلاوة، خميساً للمجنونة وآخر للشعنونة، وخميساً للمشايخ الذين لطالما رقصوا في أزقّتها متّجهين نحو قِبلتهم الخاصّة: بابا عمرو؛ المبتدأ، والخبر العاجل! القبلة التي اتجه إليها أجدادهم منذ زمن لم تسجله الكتب، كان فيه الإله واحداً للمرة الثانية في التاريخ، بعد تجربة أخناتون التوحيدية. فكان إيلاكابعل أو “إيل الجبل” كما يفسره البعض، إلهاً واحداً لحمص، ولروما وإمبراطوريتها من بعد، التي سرقت الإله، وسرقت معه واحدة من أكثر التجارب الدينية سماحةً وانفتاحاً.

حمص ولا تزال

حمص ولا تزال

    تلك حمصٌ لم أغادرها أبداً. تلك حمصٌ غادرتنا قبل سنواتٍ أربعة.

    لا شيء يغيّر المدن كالحرب، فالأمّ التي كانت تلمّنا كما ظننّا لم تعد قادرةً على منح الدفء لأبنائها، ولم تعد نسمات الصيف الغربيّة فيها تبعث فينا الطمأنينة. العيون التي وجدتها في حمص عيونٌ مرتجفة، جافّة، شاردة وخافتة حدّ الموت. عيونٌ لم تعد تجد في وجوه الآخرين الابتسامة الحمصيّة الشهيرة التي احتفظتُ بها في مكان حميم من الذاكرة. العيون التي رافقتني في جولة التصوير في أحياء حمص القديمة قبيل “الثورة” بأسابيع، ظلّت ترافقني، شاخصةً من قبورها ومنافيها وخيامها. عيونٌ ظلّت تحدّثني عن الحمّام الحمصيّ، عن طبقه الطقسيّ: المجدّرة، والبرتقال، و”الجَبَس”. عن دهشة المعرفة الأولى لصبيان استكشفوا السرّ الأنثويّ مع أمّهاتهم في حمّام “العصيّاتي”، وشاهدوا الله بأمّ أعينهم عندما تجلّى في ضريح “أبي الهول”، كرامةً لشيخٍ صوفيٍّ، أو لأبلهٍ دفعه سرٌّ أزليٌّ للاستلقاء تحت رحمة حوافر الخيول، والنجاة، كمدينته، دائماً.

حمص ولا تزال

حمص ولا تزال

    تحدّثني عن ليالي الكستناء والبطاطا الحلوة، عن شتاءٍ يعبق برائحة “الزنغل” و”العصافريّات” و”العدس بحصرم”، وربيعٍ لن يكون دون المقالي والعرق والقدود الحمصيّة العريقة في بساتين الوعر. تحدّثني عن القضامة المغبّرة، وعن “درويش” صاحب الدكّان في “الخندق” المهووس بنظافة طاولته ودكّانه. تحدّثني عن “الأستاذ عَلَم”، مجذوب المدينة الشهير، وعن شَعره الكثيف كبساتين مدينته، وعن عبقريٍّ آخر نسيتْ حمص اسمه، احتلّ ظلال شارع الغوطة، عجوزاً فقيراً، يحلّ أعقد مسائل الرياضيّات لطلاب التجارة، بصمتٍ وهدوء، مقابل قضمة من “عروسة زعتر” أو “لفلوفة حلاوة”.

    تحدّثني حمص عن لافتة مشهورة في دكاكينها: “يوجد لدينا ثلج بارد”! وعن دكاكين أخرى تفتح أبوابها “ليلاً نهاراً فقط”! تحدّثني عن “يسّوف” العاشق الوسيم الأسمر الذي يطارد الفتيات عارياً، ليعود إلى بيته متجمّداً ومبلّلاً بما تيسّر من مياه يرشّها عليه الصبية، وسباع “حمص العديّة”.

    تحدثّني العيون عن الأب الإنجيليّ الذي وجد رضيعاً في “لفلافته” آية الكرسي قرب الكنيسة، فاتّخذه ابناً باسم “أحمد”، وعلّمه القرآن والصلاة. تحدّثني عن “الشيخ طاهر” الذي تعلّمت جدّتي في كتّابه، وعن أحفاده الذين رمّموا كتّاب جدّهم بعد ستّين عاماً ليكون مدرسةً أتعلّم أنا فيها سورة ياسين، ودعاء الأذان، والجبر والهندسة. تحدّثني عن دوحة الميماس، و”أمير البزق” النَّوَري المبدع، و”محمّد بشير” الذي هجر لبنان ليغني في حمص، ولها فقط.

    تحدثني عن “شمس الدين النحّاس”, الذي ترك لي، بعد أكثر من سبعين عاماً من وفاته شابّاً، نوتاته الموسيقية التي ألّفها لكشّافة حمص، لأتركها مرغماً في بيتي الذي هُجّرتُ منه تحت وطأة الحرب. تحدّثني عيونهم الخائفة عن طاسة الرعبة، و”التلجة الكبيرة”، وعن العقرب المنقوش في قلب حمص، على جدار المعبد العتيق الذي أضحى اليوم جامعها الكبير، ليحميها من العقارب، والأيّام السوداء.

    وتحدّثني عيونٌ مبتسمةٌ، كعيون جدّتي الطفوليّة، عن أطفالٍ لطالما سخروا من قسوة البذلة العسكريّة، وركضوا خلف الجنود منذ أيّام “الشيخ تاج”، ساخرين من جلافة العسكر وحزمهم المصطنع، صائحين جميعاً: “عسكر عسكر تي تي تي.. يامو يامو شوربة”! ضاحكين من غدٍ لا يشبه مدينتهم، تحمله إليهم بنادق القائد، والثورة، والإله.

    المدينة سقطت، هكذا يتحدّث العسكر والساسة. المدينة رقصت، من أجلنا كدراويشها في خميسهم الأزلي، هكذا تحدّثني حمص!

عمر حكمت الخولي

مؤلف وشاعر / سوريا