باسمه بطولي.. وجه مشرق من الوجوه النسائيّة الرائدة.

بيروت/ جورج معلولي

باسمة بطولي… حين يكتب الشعر سيرته بالألوان
كتب جورج الياس معلولي
هناك نساءٌ لا يكتفين بأن يعشن الحياة، بل يسعين إلى إعادة تشكيلها بالكلمة واللون، فيتركن في الذاكرة أثراً يشبههنّ، وتصبح أعمالهنّ نافذةً نطلّ منها على عوالمهنّ الداخلية. ومن هذه الوجوه الثقافية اللبنانية، تبرز الشاعرة والفنانة التشكيلية باسمة توفيق بطولي، التي جمعت بين رهافة الشعر وشفافية الرسم، وجعلت من الإبداع مساحةً للتعبير عن الوجدان والإنسان والحياة.
برحيلها، في العاشر من تشرين الأول 2026، لا نستعيد سيرة امرأة عاشت بين الشعر واللوحة فحسب، بل نتوقف أمام تجربة ثقافية تعدّدت وجوهها، وتقاطعت فيها الأدب والفنون والإعلام والتربية، في مسيرة حملت ملامح امرأة اختارت أن تقول ما في داخلها بالكلمة حيناً، وباللون حيناً آخر.
من بيت الثقافة إلى رحاب الإبداع
وُلدت باسمة بطولي في بيروت، في بيئة احتضنت الأدب والفن؛ فهي ابنة الكاتب توفيق البطولي والرسامة ليندا قازان البطولي. وبين الكتاب واللوحة، نشأت في مناخ يقدّر المعرفة ويمنح الخيال مكانته، فكان من الطبيعي أن تجد في الأدب والفن مساحتين للتعبير عن ذاتها.
لم يكن تكوينها الثقافي وليد الموهبة وحدها، بل دعّمته بالدراسة والتحصيل الأكاديمي. درست اللغة العربية وآدابها، ونالت إجازة تعليمية من جامعة ليون في فرنسا، كما تابعت دراستها في الصحافة، إلى جانب إعدادها التربوي. وقد انعكست هذه الخلفية المتنوعة على تجربتها، فجمعت بين المعرفة الأكاديمية والحس الفني، وبين القدرة على التعبير والرغبة في التواصل مع الناس.
شاعرة الوجدان… وصوت التجربة الداخلية
في الشعر، وجدت باسمة بطولي مساحةً رحبة لتقول ما لا تقوله الحياة اليومية بسهولة. كتبت الشعر العمودي الموزون والمقفّى، كما كتبت شعر التفعيلة، ونشرت قصائدها في مجلات أدبية، من بينها «الأديب» و«الثريا» و«الإطلاق».
ومن عناوين مجموعاتها الشعرية «شباكي الوجيع»، و«مكللة بالشوق»، و«أصداء بصرية»، و«مع الحب حتى الموت». وهي عناوين تستوقف القارئ بما تحمله من إشارات إلى الوجع والشوق والرؤية والحب، وتفتح باباً إلى عالم شعري تتجاور فيه المشاعر الإنسانية مع التأمل في الحياة.
ولعلّ ما يميّز تجربة الشاعر أن الكلمات لا تعود مجرد وسيلة للكتابة، بل تصبح طريقةً في رؤية العالم. فالشاعر يرى في التفاصيل الصغيرة ما قد لا ينتبه إليه الآخرون، ويمنح المشاعر لغةً وصورةً وإيقاعاً. وفي هذا اللقاء بين الحساسية والخيال، تتشكّل خصوصية التجربة الشعرية.

وقد تجاوز بعض شعر باسمة حدود الصفحة المكتوبة، حين لحّن التينور اللبناني العالمي غبريال عبد النور عدداً من قصائدها وأدّاها، فانتقلت الكلمة من فضاء القراءة إلى فضاء الموسيقى والصوت، في لقاء بين الشعر والغناء.
حين يصبح اللون قصيدةً أخرى
لم تكن باسمة بطولي شاعرةً وحسب؛ فقد كان للفن التشكيلي مكان أساسي في مسيرتها. مارست الرسم بالألوان الزيتية والمائية، وشاركت في معارض فنية، لتعبّر بالفرشاة عمّا قد تعجز الكلمات وحدها عن احتوائه.
وهنا تكمن إحدى السمات اللافتة في تجربتها: التقاء الشعر بالرسم. ففي القصيدة صورة، وفي اللوحة إحساس، وفي كليهما محاولة للإمساك بلحظة عابرة أو شعور عميق أو سؤال يرافق الإنسان في رحلته.
ولم تكن هذه العلاقة بين الكلمة واللون مجرد انطباع عابر، بل أصبحت موضوعاً لدراسات نقدية تناولت تجربتها، ومنها كتاب «جماليات التشكيل الفني في شعر باسمة بطولي» للدكتورة جنان بلوط، وكتاب «الفناء والبقاء في أعمال باسمة بطولي الفنية والشعرية» لغادة السمروط.
إن تخصيص دراسات نقدية لتجربتها يشير إلى أن أعمالها لم تكن مجرد ممارسة شخصية للفن، بل مادةً للقراءة والتحليل ومحاولة فهم العلاقة بين التعبير الشعري والتشكيل البصري.
الإعلام والتربية… وجهان آخران للمسيرة
امتدت اهتمامات باسمة إلى العمل التربوي والإعلامي. فقد عملت في وزارة التربية الوطنية، وخاضت تجربة مهنية في تلفزيون لبنان، حيث عملت خبيرة تلفزيونية وقدّمت برامج ثقافية.
وهكذا لم تنحصر تجربتها في مرسم أو بين صفحات ديوان، بل لامست فضاءات مختلفة من الحياة العامة. فالثقافة، حين تخرج إلى الإعلام، تصبح أكثر قدرةً على الوصول إلى الناس، وحين تلتقي بالتربية، تساهم في بناء المعرفة وتنمية الذائقة.
وفي هذه المساحات المتعددة، تبرز صورة امرأة لم تحصر نفسها في تعريف واحد؛ فهي الشاعرة والفنانة، وهي أيضاً صاحبة تجربة في ميادين الثقافة والتواصل والتعليم.
تكريمات تعكس قيمة المسيرة
حظيت باسمة بطولي بتكريمات تقديراً لإنجازاتها الأدبية والفنية، من بينها جائزة الأديب جان سالمة عام 2020 عن مجمل إنجازاتها الفكرية والفنية، وتكريم مؤسسة ناجي نعمان عام 2014.
وفي عام 2022، مُنحت وسام الأرز الوطني من رتبة ضابط، تقديراً لمسيرتها الإبداعية في الشعر والرسم. وهي محطات تضيء جانباً من حضورها في المشهد الثقافي اللبناني، وتؤكد أهمية توثيق تجارب النساء اللواتي أسهمن في الحياة الأدبية والفنية.
الإنسان خلف الشاعرة والفنانة
بعيداً عن العناوين والجوائز، تبقى حياة المبدع حكاية إنسانية لها خصوصيتها، تتداخل فيها التجارب والعلاقات والذكريات. كانت باسمة بطولي زوجة الراحل جوزيف كريستو، ووالدة المخرج التلفزيوني اللبناني باسم كريستو.
ولعلّ أجمل ما يمكن أن نفعله أمام رحيل شخصية ثقافية هو ألا نكتفي بتعداد إنجازاتها، بل أن نعيد فتح أعمالها، ونقرأ قصائدها، ونتأمل لوحاتها، ونمنح تجربتها فرصةً جديدة للحضور في ذاكرة الأجيال.
فالمبدعون لا يبقون لأن أسماءهم وردت في سجلات التكريم وحدها، بل لأن أعمالهم تظل قادرةً على مخاطبة إنسان لم يعرفهم شخصياً، ولم يعش زمنهم، لكنه يجد في كلماتهم أو ألوانهم شيئاً يشبهه.
باسمة بطولي… حضورٌ لا يختصره الغياب
في سلسلة «وجوه نسائية رائدة»، لا نكتب عن امرأة لأن مسيرتها انتهت، بل لأن ما أنجزته يستحق أن يبقى حاضراً. وباسمة بطولي واحدة من تلك الشخصيات التي تتيح لنا التوقف أمام تلاقي الشعر والفن والإعلام في تجربة امرأة لبنانية اختارت الإبداع طريقاً للتعبير.
رحلت باسمة، لكن الرحيل لا يمحو القصيدة، ولا يطفئ اللون، ولا يلغي الأثر الذي تتركه التجارب الثقافية في ذاكرة الناس. قد يغيب صاحب العمل عن المشهد، لكن أعماله تظل قادرةً على استحضاره كلما قرأ أحدهم قصيدةً، أو تأمل لوحةً، أو اكتشف اسماً يستحق أن يعرفه.
سلامٌ لروح باسمة بطولي، الشاعرة التي كتبت بالوجدان، والفنانة التي تركت للون لغته الخاصة. ولعلّ الوفاء الحقيقي لمسيرتها أن نعود إلى ما كتبت ورسمت، وأن نمنح إبداعها المكان الذي يستحقه في الذاكرة الثقافية اللبنانية.
خاص / إلّا
Share this content:



إرسال التعليق