×

مرثية النور على خشبة مسرح المدينة قطب العاصمة -اللبنانيّة- التي يأمّها الجميع.

مرثية النور على خشبة مسرح المدينة قطب العاصمة -اللبنانيّة- التي يأمّها الجميع.

Getting your Trinity Audio player ready...

غادا فؤاد السمّان – بيروت / إلّا

IMG-20261025-WA00021-842x1024 مرثية النور على خشبة مسرح المدينة قطب العاصمة -اللبنانيّة- التي يأمّها الجميع.
غادا فؤاد السمان ومؤلفة ومخرجة “بغَضّ النظر ” دكتورة سارة قصير/ مسرح المدينة – بيروت – الحمرا

…. عندما يولد الفرح من رحم الجرح

​أكتب الآن، ودقات قلبي لم تهدأ بعد، وعيناي ما زالتا تعجّان بصدى ذلك النور الذي غمر مسرح المدينة في الحمراء مساء اليوم رغم الظلمة الحالكة وغياب الضوء لإفساح المجال أمام المتلقي تخيّل ما يعيشه المصاب. لم أكن مجرد متفرج أراقب حدثاً عابراً، بل كنت شاهداً على معجزة إنسانية وفنية بكل ما للكلمة من معنى.

​كيف لا، والخشبة التي أمامي لم تكن تمثل، بل كانت تنزف حياة؟

IMG-20261024-WA0090-768x1024-1 مرثية النور على خشبة مسرح المدينة قطب العاصمة -اللبنانيّة- التي يأمّها الجميع.
غادا فؤاد السمّان ود. سارة قرجولي قبل مغادرة مسرح المدينة وسط بعض الجمهور.

​حين تتحول العتمة إلى مشهد باهر​.. حين دخلنا قاعة المسرح وفي عقولنا ترسبات أيام ثقيلة، جروح غائرة، ووجع يعتصم بالقلوب إثر تلك الجريمة الشنيعة التي استهدفت جرحى البيجر، كنا نخشى أننا سنواجه الألم بالألم، فإذا بالدكتورة المخرجة والفنانة “سارة قصير” تأخذ بأيدينا جميعاً //مشاركين وجمهوراً // لتعبر بنا الجسر الفاصل بين اليأس والرجاء.

أبطال سارة لم يسبق لهم أن وقفوا على خشبة مسرح في حياتهم على الإطلاق، ومع ذلك استطاعت سارة قصير، ان تخرجهم من بين ركام الإصابات القاسية—إذ ثمّة من فقد بصره، وثمّة من فقد أصابعه، وثمّة من فقد يديه، وثمّة من بترت ساقه وهو عدّاء دولي، من هؤلاء جميعا صنعت سارة قصير “”سمفونية أمل “”.

IMG-20261024-WA0079-1024x768 مرثية النور على خشبة مسرح المدينة قطب العاصمة -اللبنانيّة- التي يأمّها الجميع.
ابطال العمل مقابل عاصفة حارة من التصفيق الأطول في تاريخ المسرح

​لم يقف هؤلاء الأبطال مع سارة قصير ليطلبوا شفقة من احد، بل وقفوا ليقولوا بملء الفم وبكل كبرياء: “بغض النظر عما تعرضنا له، نحن هنا باقون ومستمرون.”

​وقفوا على خشبة المسرح، التي تشبه ارض الواقع.. ليقولوا سنظلّ نرى ما بقي فينا، لا ما فقدناه..

IMG-20261024-WA0054-1024x769 مرثية النور على خشبة مسرح المدينة قطب العاصمة -اللبنانيّة- التي يأمّها الجميع.
د. قاسم قصير مشرف العمل ككل، وفي يمين الصورة غادا ف. السمان

​انطفأت الأنوار، وارتفع الستار عن لوحات تعبيرية هزت الوجدان وأبكت العيون طهراً وجمالاً. رأينا على الخشبة أجساداً مجروحة, لكن أرواحها كانت تحلق في سماء الحرية والعطاء. لقد حولوا أوجاعهم إلى ريشة ترسم الفرح، ودموعهم إلى ابتسامة تضيء عتمة القاعة.

​كل حركة، وكل كلمة، وكل إيماءة كانت تحمل طاقة جبارة تقول لنا: إن الفن الحقيقي ليس ترفاً، بل هو طوق نجاة، وهو المقاومة الأجمل والأطول أجلاً.

IMG-20261024-WA0053-1024x768 مرثية النور على خشبة مسرح المدينة قطب العاصمة -اللبنانيّة- التي يأمّها الجميع.
د. سارة قصيرة وتهنئة حارة من المستشارة فيرا يمين ومعهم غادا السمان.

​خمسة عشر دقيقة من الووعندما سدل الستار، لم يكن التصفيق مجرد مجاملة تقليدية، بل كان عاصفة من الامتنان والعرفان. خمسة عشر دقيقة متواصلة من التصفيق الحار، والوقوف اجلالاً واحتراماً لهؤلاء الأبطال، ولفريق العمل، وللمسرح الكبير “مسرح المدينة” ولأيقونته القديرة نضال الأشقر، ولدعم الاتحاد الأوروبي ومؤسسة بيرغوف الذي جعل هذا الحلم الإنساني واقعاً ينبض بالحياة.

IMG-20261018-WA0012-1-730x1024 مرثية النور على خشبة مسرح المدينة قطب العاصمة -اللبنانيّة- التي يأمّها الجميع.

خرجت من المسرح اليوم وأنا أشعر أن الحزن قد تكسر على صخرة الإرادة، وأن الفرح الحقيقي هو ذلك الذي يولد من رحم المعاناة. شكراً لسارة قصير، وشكراً لكل جندي من جنود الفن والحياة الذين علمونا اليوم كيف تتحول الجراح إلى أوسمة نور، وكيف يمكن للروح البشرية أن تزهر، مهما كانت العاصفة قاسية، والكوميديا سوداء.. على أمل أن يتكرر العرض مرات ومرات كثيرة، لنغترف المزيد والمزيد من الدهشة التي فقدناها منذ زمن بعيد..

خاصٌ – إلا –

Share this content:

مجلّة - إلّا - الألكترونية/ مجلة هادفة ذات مستوى ومحتوى سواء بما يساهم به أقلام الكتاب العرب المعروفه والمنتشرة بأهم المنابر العربية، أو بما يتمّ اختياره أحياناً من الصحف الزميلة بتدقيق وعناية فائقة، وحرصاً من مجلّة - إلّا - بإسهام المزيد من الأقلام الواعدة يُرجى مراسلتها على البريد الألكتروني / ghada2samman@gmail.com

إرسال التعليق

You May Have Missed