أنا، والشمال، والمراد، وأبو سليمان، وهواك الساحر… يا لبنان
غادا ف. السمّان و هلا مراد في الشمال اللبناني وكامل التفاصيل في المقال ادناه
لم تكن النية نية “الهجرة الى الشمال ” كما كتب الروائي المعروف (الطيب صالح).. ولم تكن مجرد رحلة ليوم مكتظ بالمفاجآت، محطات كثيرة بدأتها هلا مراد، بانطلاقة الباص المخصص من شركة “ملكه malaké ” النظيف المريح بتكييفه العالي، من جوار جامع الأمين حيث يرقد رفات الرئيس الشهيد رفيق الحريري رحمه الله ومن قضى معه على يدٍ آثمة شلّها الله في الدنيا والآخرة.. مكتمل العدد في دقائق، ومنذ اللحظات الأولى كانت هلا مراد حاضرة بكاميرتها المُرافقة، توثّق كل التفاصيل، وتهتم بكل الموجودين بصدر رحب نابض بالمحبة وابتسامة عريضة لا تفارق ملامحها وكلمات طيبة تحرص على تمرير الاحترام للجميع.
غادا ف. السمان وبعض الذعر من حافة الماء واحتمالاتها.
وفي مقدمة الضيوف كان الفنان المحبوب ميشيل أبو سليمان، حاضراً بتواضعه الجميل، ووسامته الناضجة، وأناقته الراقية، وبساطته في العفوية والتلقائية والمُباشرة. أما عن سرعته في البديهة فلا شك أنها كانت تستحق كل فضول مني: كيف ينميها؟ وكيف يتقن اللعب بالمفردات؟ وكيف يعيد صياغة الجملة بتلك البراعة؟ هل هو المِران أو المِراس؟ هل هي وفرة الصداقات والعلاقات والحوارات المفتوحة على الدوام؟ هل هي القراءة المتواصلة، أم العبث واللامبالاة والثقة الزائدة بالنفس؟ أم هو الحرص على محور الحرية في حياته هو الذي حفظ له تلك البراعة في التركيبات اللغوية الساخرة؟ على أي حال كان محبوباً من الجميع ولم يترك أي فرصة للطعن في دماثته على أنها متكلّفة، أو أي سلوك صدر عنه على أنه غير عفوي تماماً؛ كان بمنتهى التوازن رغم المزاح، وبمنتهى الاحترام رغم السخرية المتواصلة.
مجموعة من الضيوف المشاركة
أولى المحطات التي فاجأتنا بترتيبها الأنيق جداً هلا مراد كانت “وليمة” الإفطار عند “لبنان الأخضر”، وأقول وليمة لأنها حقاً وليمة عارمة بكل ما لذّ وطاب؛ لم يكن مجرد مخبز عادي، بل كان مطعماً فاخراً بمعنى الكلمة، رُصفت المأكولات على مائدة مخصصة وكأننا على موعد لحفل فاخر للطبقة المخملية. وفي الصحون الأنيقة جداً لم يكن الأمر مجرد إفطار لمناقيش الجبنة والزعتر وساندويشات اللبنة والزيتون وما يليق بها من خضار مرصوفة في إحاطات التقديم بمنتهى الإبهار، بل كان اللحم والدجاج والحبش حاضراً في السمبوسك والرولات والفطائر والمعجنات. أكلنا جميعاً بشهية مفتوحة، ليس لأننا أمام إفطار مغرٍ فحسب، بل لأن التقديم كان سخيّاً ولبقاً، وكان جميع العاملين بتأهب كامل لإرضاء الضيوف الإعلاميين.
السيدة ليلى شحود مديرة معرض رشيد كرامي -طرابلس تشرح للفنان ابو يليمان وبعض الاعلاميات عن تاريخ هذه المنشأة العالمية
المحطة الثانية كانت في معرض رشيد كرامي، هذا الصرح المترامي بأبعاده المذهلة الذي يشغل مساحة واسعة لعدة قاعات يجمعها اعتداد أهل طرابلس واعتزازهم، والذي لا يخلو من غصة لشح المناسبات بسبب الظروف الضارية التي تعصف بلبنان وتؤثر على جميع مفاصل الحياة اللبنانية، كما تؤثر على هذا المعلم الثقافي الحاضر والشاهد على عراقة تلك المدينة وأصالة أهلها. وكان التعريف به بأسلوب مشوق وجذاب من مديرة المركز السيدة “ليلى شحود”.
ثم كانت الانطلاقة باتجاه “سير الضنية”، وسير الضنية لم تكن مجرد منطقة شاهقة أو مدينة صغيرة وادعة، بل كانت مخيلة خصبة لأحلام اليقظة، منصة شاهدة على كتف النسيان، ومصحّاً لعلاج النفس، والذاكرة، وأوجاع الروح. كان الضباب يعمّ المكان، وكان النسيم البارد يزيح “آب اللاهب” من الواجهة؛ كانت سير بوابة خروج من الهموم اليومية التي تصاحبنا باستمرار.
رئيس تحرير مجلة -إلا – مع المصممة اللبنانية وسيدة الأعمال صوفيا ابي سعد.
المزعج في هذه الرحلة هو اضطرارنا للمغادرة السريعة للمحطات المتنوعة بعد الغداء الحافل بكرم صاحبة المطعم التي لم توفر جهداً لتجعل من هذا اليوم استثنائياً لجميع من حضر من إعلاميين وإعلاميات فاق عددهم الـ ٢٧ شخصاً،
د. جمال فياض/ اعلامي وناقد فني لبناني – بيروت
افتقدنا في مقدمهم الدكتور جمال فياض الذي سرقه الالتزام بمناسبة أخرى من التواجد المقرر بيننا. الجميل في هذه المحطة لم يكن الطعام فحسب بل الحفاوة، والأجمل في هذا الصرح السياحي المتكامل هو المطل الساحر الذي -للأسف- لم يكن مشبعاً لفضولنا بالاغتراف من مروجه الخضراء المترامية كالفردوس، إذ كنا على موعد جديد آخر هو المعرض الشعبي لأهالي “سير” الذين حضروا مع أطفالهم من كل حدب وصوب، وشكّلوا ازدحاماً هائلاً تهليلاً بالافتتاح للمرة الأولى، الذي منح الأهالي وأطفالهم وتجار سير الفرصة للفرح والبهجة وتبادل المنفعة.
مجموعة من المشاركين في الرحلة تتقدمهم الناشطة الاعلامية هلا مراد
خرجنا من المعرض الشعبي في سير مع هلا مراد التي تجيد القيادة وتتقن بحرفية مفهوم المراسم وهي تشرف وتوعز وتربط الجميع بديناميكية هائلة، كمخرج سينمائي تمرّس في رصد الصورة الإجمالية تماماً كما يرصدها في التفاصيل الجزئية للمشهد. وهي الخبيرة في هذا المجال فعلاً، فقد عملت عشرات الأفلام الوثائقية لمحطتي “العربية” و”الجزيرة”، وشاركت باسمها شخصياً وبجهودها الدؤوبة الاستثنائية في مهرجانات عالمية جعلتها عاشقة للكاميرا، وأعطتها حيوية مضاعفة في ابتكار اللحظات بتشويق خرافي يحتاج إلى جهد وزارات سياحية وثقافية وإعلامية مجتمعة بكافة العاملين لإنجاح أي مناسبة، وقد أخذتها هلا مراد على عاتقها بمفردها واستطاعت فعلاً أن تبهر الجميع.
غادا ف. السمان والاستاذ ميشيل ابو سليمان جمعتهما طرابلس -سير الضنية بعد مرور اكثر من عقد على لقاء “حديث البلد ” في برنامج الاعلامية الراقية “منى ابو حمزة ” والتي فازت الحلقة بنسبة مشاهدة تزيد عن 2مليون متابع
ختمت هلا تلك المحطات في محلات الحلاب الطرابلسية، الأشهر في تاريخ الحلويات، والذي حرص على تقديم صالته العلوية كاملة لضيوف هلا مراد، كما حرص على تقديم وجبة حلويات متنوعة من عدة أصناف لذيذة كالمعتاد، أضافت عذوبة وجمالاً على ذاك اليوم الطويل، الذي عدنا فيه بوقت متأخر عند العاشرة مساء تماماً كما عند الانطلاقة في العاشرة صباحاً.
هلا م. مع الاعلامي كميل طانيوس والاعلامية غادة جمعه
ويا له من يوم غني بالتفاصيل، كثيف بالمشاهد، مكتظ بالمشاعر، مزدحم بالإحساس! ولعلها الليلة الأولى التي أعرف فيها النوم المبكر منذ مئات السنين دون أرق ودون تقطع في الأحلام، نوم متواصل لـ ٨ ساعات فعلية كما تحتاج الساعات البيولوجية في أعماقنا وفق الطبيعة المنتظمة تماماً.. وهذا يؤكد ختاماً ما أردت قوله بداية: إن على الجميع أن يتناسى بين الحين والآخر التزاماته المجتمعية بكل ما يتخللها من سموم سياسية واقتصادية وهموم معيشية، وأزمات ثقافية وفنية ومعرفية، وأوجاع روحية، وليقصد “سير” وغيرها من تلك الأماكن الخفرة التي لا تجيد الصراخ والصخب والاستعراض، بل تعتمد على جمالها وحيائها وروعتها وبكورتها، لاستقبال المحبين بصدق تام يؤمّن العلاج من كل الأوهام المدنية وأمراضها المزمنة..
غادا س. مع سيدة الأعمال والمصمّمة الفنانة صونيا ابي سعد
شكراً هلا مراد، شكراً بلدية سير الضنية، شكراً لكل من ساهم ليجعل من ذاك اليوم يوماً استثنائياً بامتياز
مجلّة - إلّا - الألكترونية/ مجلة هادفة ذات مستوى ومحتوى سواء بما يساهم به أقلام الكتاب العرب المعروفه والمنتشرة بأهم المنابر العربية، أو بما يتمّ اختياره أحياناً من الصحف الزميلة بتدقيق وعناية فائقة، وحرصاً من مجلّة - إلّا - بإسهام المزيد من الأقلام الواعدة يُرجى مراسلتها على البريد الألكتروني / ghada2samman@gmail.com
إرسال التعليق