أصالة نصري.. عودة الابن البار الدائمة، أم عودة الابن الضال المؤقّتة..؟؟!
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

غادا فؤاد السمّان -إلا – بيروت
اصالة نصري بعدما اصبحت هي الحدث وهي الحديث في دمشق، أتراها قد غطّت فعلاّ على اصوات الفقراء، وطمست معالم البؤس، وانهت صورة الدمار، وشتت معالم الخراب في سوريا، هل هدأ روعه بشأن الغلاء الفاحش في الكهرباء والمحروقات والسلع الضروريّة.؟! أسئلة كثيرة في ذمّة المسؤول السوري قبل غيره.

عودة اصالة نصري إلى دمشق، كيف استطاعت ان تزيح من الاذهان جميع العائدين الذين سبقوها وعادوا بصمت لا تصفيق ولا تهليل ولا زغاريد ولا “هوبره ” ولا وزير ولا غفير حتى رحّب بهم، فلا الذين خرجوا من معتقل الموت في صيدنايا وجدوا من يداوي جروح السنوات العجاف، ولا الذين عادوا من الشتات وجدوا من يصافحه، ولا الذين فقدوا بيوتهم وأرزاقهم ومصادر دخلهم حظوا باحتضان من أيّة جهة تُذكر، بينما “البطلة” اصالة نصري تعلو علو قاسيون في العز والمجد والاستعراض، وكأنّ المواطن السوري لم يكن ينقص فرحته وتوازنه واستقراره النفسي والوطني سوى حفل، تكرّست كل لحظه من لحظات ذاك الحفل لتكون المحور على مدار الاعلام والسوشيل ميديا بما لم تحظ به سيدة الغناء العربي ام كلثوم بجلالة قدرها، ولا حتى السيدة وردة الجزائرية في اي يوم من الايام او نور الهدى او اسمهان، حتى مطربات الجيل الحالي المميزات فعلا مثل آمال ماهر لو انها على موعد لحفلة في بلدها وهي الغائبة كانت لمدة لا يستهان بها لم تحظَ بتغطية وتكريس وترسيخ و”زيطه وزمبليطة” كما حظيت اصالة نصري.

لا احد ينكر على اصالة نصري انقلابها الكامل على خجلها المشهود سابقاً، وصمتها العميق الذي كان يميزها في لقاءاتها منذ الطفولة اوائل الثمانينات، الى الشباب في بداية التسعينات والذي اخرجها من فائض الخجل المتراكم لعدة أسباب “أيمن الذهبي” وهو صاحب الفضل الاول الذي اطلق لمخيلتها العنان، حين كان الزوج الحنون الذي قدم كل ما يملك ليجعل منها نجمة صف اول، بكل ما فيه من طيبة ونبل واصل وعراقة وجذور دمشقية عميقة، ففتح لها الطريق إلى مصر مصنع الفن والفنانين الاكبر، إلا ان اصالة نصري التي تلمّست شرارة الشهرة، وبريق “الذهبي ” صارت احلامها اوسع من مدارات دمشق ومدارك الانتشار، وبدأت رحلة الألف ميل بالقفز على المراحل وقد ركبت موجة السياسة بكلمة، “بشار مجرم ” وكانت هذه الكلمة مفتاح لحظوظ لم تنتهِ، ولن نختلف على انّ النظام أجرم ليستمر، واستفحل بغيّه وطغيانه ليواصل بِغَباء لا بحكمة، ولكن الثورة لا تتلخّص بشخص أصالة نصري، هناك الآلاف من المناضلين الذين رهنوا دمهم والذين فقدوا ارواحهم وعقولهم وكرامتهم وكبريائهم، ولم يستعيدوا منها شيئاً حتى اليوم.
لا يعنيني ان تعالجت نصري من إعاقتها السابقة بأموال الدولة السورية او الدولة اليابانية، مايعنيني ان اصالة نصري، تخطّت كونها فنانة صاحبة صوت واداء وحضور، لتصبح ظاهرة صنعتها الظروف، واستثمرها الاعلام، وكرسها المجتمع الافتراضي بامتياز منقطع النظير، وبدل انتشار الأغنية انتشرت “الثرثرة ” والسجالات المفتوحة، بين مؤيد لمواقف اصالة نصري، وأسلوب اصالة نصري التي تتقمّص عفوية جورج وسوف، وطلاقته وبساطته وطيبته وعبثيّته على المسرح، فصار للجمهور العربي عموماً والسوري واللبناني خصوصاً مطرباً مفوّهاً ومطربة بذات المواصفات، تداعب الجمهور بتداعيات “ذهانيّة ” مفتعلة، خارجة عن الإعداد والتنسيق والتنميق والحذر والاصطفاء والغربلة، فكل ما يخطر بذهنها يُقال من باب السخرية من الذات، لإثارة ابتسامة او ضحكة تقلّص المسافة بين المنصّة الفاخرة الفخمة، والجمهور “الغفور ” الغفير ..

أمّا عن صعود “وزير الثقافة ” منصّة المسرح، وتكريم أصالة نصري، فهو يعكس ثقافة المرحلة الغارقة في “التناقض “، المتخبّطة في “البرغماتيّة “، إذ بعد سنتين من تولي منصب وزارة الثقافة التي لم نشهد او نسمع او نقرأ لها اثراً يُذكر، نجد وزير الثقافة الذي يمثّل، حكومة “مُحافِظة”، تطالب بتغطية المرأة، وتكميم حركتها، يكّرم فنانة لا سقف لحريتها الشخصيّة، وقفزاتها الخارقة، فأيّ شاعر أو شاعرة او اديب او اديبة سيملآن عين الوزير للتكريم بعد ذلك..؟!

هل كان هذا التكريم لأصالة نصري حقاً، وهي التي كرمتها مصر العربية بفتح كامل الأبواب امامها على الغارب، وكرّمتها قطر بمنحها الجنسية التي لم نعد نسمع عنها شيئاً والتي نسيتها اصالة نصري شخصيّاً ربّما، والتكريم الاكبر من قِبَل المملكة العربية السعودية ومسارحها التي تتسع يوما بعد يوم امام شغف اصالة نصري بالغناء والاستعراض الذاتي الذي أتاحه برحابة منقطة النظير لها كما لغيرها وزير الترفيه الوفي للجمهور والمخلص لإسعاده والدؤوب لرضاه الوزير “تركي آل الشيخ ” مشكوراً، وجعل اهم محطات التلفزة للمملكة- MBC – طوع بنان اصالة نصري في استقبال القاصي والداني لسنوات من أجل خاطر صاحبة الموقف الابرز في تاريخ سوريا الراهنة..
سوريا التي لم تعتمد على كلمة توّحد السوريين بعد، ولا على ثقافة تعيد للسوريين ألق المنابر والمحابر والمشاعر والوطنيين الأحرار.. فلو انّ تكريم اصالة نصري تولاه وزير “الإعلام” لتوسّمتُ خيراً وقلت الاعلام السوري سيتعافى ويدخل مرحلة النقاهة ليستعيد عراقته واصالته بالفعل لا بالاسم، ولو ان تكريم أصالة نصري أنيط إلى وزير السياحة لقلت أنّ الانفتاح والاستقرار والامن والامان والتقدّم والازدهار كلّها عناوين مأخوذة بعين الاعتبار لاستقطاب السائح العربي من كل قطر ودولة ومكان وكانت مناسبة لو عرف القيّمين على المراكز الحيوية في الدولة على تنشيطها، بعد سنوات العزلة الطويلة لسوريا والسوريين، كما تفعل مهرجانات شرم الشيخ، ومهرجانات جرش، ومهرجانات لبنان، ومهرجانات قرطاج، وغيرها من المهرجانات العربية التي تستقطب جمهور الخارج، اكثر من جمهور الداخل، وبذلك تدور العجلة الاقتصادية على اكمل وجه.
لو أن حفلة اصالة نصري الميمونة، قد “وَهَبَتْ ” عائداتها للجوعى والمحرومين والمشردين في العراء ومواسم المطر التي على الابواب والبؤس الذي لامثبل له تشهده دمشق، كان يشفع لوزير الثقافة ان يصعد المنصّة ويحيّي هذه البادرة الشاهقة لفنانة أصيلة لا ينقصها الثراء على اكتاف الشعب المطحون.

لكن ان يُضاف اسم وزارة الثقافة ممثّلاً بوزيرها فهو زيادة طلاسم في قراءة التباس المرحلة، بكل ما للكلمة من معنى، فارحموا عقولنا رحمكم الله، وارحموا وطننا المنتهك، وارحموا وطنيّتنا المهيضة، واعتمدوا على صبغة ثابتة، لا تتلون عند كل محكّ، واتفقوا جميعاً على بناء وطن آمن، هادئ، معافى، مع هؤلاء الذين لا يريدون ان يختلفوا معكم بشيء إلا حينما تصارعون المنطق لتغلبوه لا أكثر، فتارة الحجاب، وتارة النقاب والجلباب، ونداءات عريضة على شرف التخلف، ثمّ يأتي الانفتاح فجأة والعمران الحديث جدا، والانشاءات المذهلة، وهنا يأتي دور الثقافة على الارض للتنوير لكل مايحصل، لا على المنصّة للتحوير لكل ما يُريب..
خاصّ – إلّا
Share this content:



إرسال التعليق