الأغنية العراقيّة دراما الدمع وأشجان الوتر…
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

اعداد الدكتور ابراهيم الشكري- الكويت
مدير عام المركز الخليجي للمعلومات والوثائق
ليست الأغنية في العراق مجرد نغمٍ يمرُّ عابراً، بل هي حكايةٌ محبوكة بالدمع، ومشهدٌ مسرحيٌّ مكتمل الأركان . يُعرض على خشبة القلب. في زقاقٍ بغداديٍّ ضيق، أو على ضفاف فراتٍ حزين، ولدت نغماتٌ لا تكتفي بتطريب الآذان،
الأغنية العراقية هي “المونودراما” التي يطل فيها المطرب ليروي قصة شعبٍ تعجن الخبز بالصبر، وتغسل جراحها بالموال.
تتفرد الأغنية العراقية بكونها بناءً درامياً متكاملاً، ويمكن تفكيك هذا التميز إلى ثلاثة محاور رئيسية:
1. الموال.. الافتتاحية التراجيدية:
يبدأ المطرب العراقي أغنيته بالموال، وهو ليس مجرد استعراض للعرب الصوتية، بل هو “التمهيد الدرامي”. في الموال، يتم وضع المشاهد (المستمع) في جو النص؛ هو استغاثة، أو عتاب طويل، أو رثاء لحالٍ ضاع. الموال هو اللحظة التي يتوقف فيها الزمن لتبدأ الحكاية.
2. الكلمة (النص المسرحي):
القصيدة في الأغنية العراقية غالباً ما تعتمد على الحوارية. ستجد المطرب يخاطب غائباً، أو يعاتب شمساً، أو يشكو لليل. كلمات مثل “أجيتك”، “كلتلك”، “يا صاحبي” تحول الأغنية من مجرد وصف للمشاعر إلى مواجهة درامية بين طرفين. الشعراء العراقيون برعوا في تصوير “المشهدية”، حيث تشعر وأنت تسمع الأغنية أنك “ترى” الموقف ولا تسمعه فقط.
3. الأداء الصوتي (التمثيل بالغناء):
المطرب العراقي لا يغني بحنجرته فقط، بل بكل جوارحه. “البحة” العراقية الشهيرة ليست عيباً تقنياً، بل هي أداة درامية تعبر عن الانكسار. من صرخات “ناظم الغزالي” العفيفة، إلى أنين “داخل حسن” الريفي، وصولاً إلى دراما “سعدون جابر” و”ياس خضر”؛ هؤلاء لم يكونوا مؤدين، بل كانوا أبطال تراجيديا يجسدون الألم الإنساني في أبهى صوره.
”الأغنية العراقية لا تُسمع لغرض الرقص أو الترفيه العابر، بل تُسمع لكي ندرك أننا لسنا وحدنا في هذا الحزن.”
التطور الدرامي: من الريف إلى المدينة
انتقلت الدراما في الأغنية العراقية من “الأبوذية” الريفية التي تمثل قمة التكثيف الدرامي للألم، إلى “المقام البغدادي” الرصين، وصولاً إلى الأغنية الحديثة التي أدخلت التوزيع الموسيقي السينمائي. ومع ذلك، ظل “الشجن هو الخيط الدرامي الناظم الذي يربط جيل السبعينيات الذهبي بجيل الشباب اليوم، وكأن الحزن قدرٌ موسيقيٌّ لا فكاك منه.
في الختام، تظل الدراما في الأغنية العراقية هي المرآة التي تعكس وجدان الإنسان في بلاد ما بين النهرين. إنها ليست مجرد تراثٍ فني، بل هي وثيقة تثبت أن العراقي استطاع تحويل ما يمر به المواطن العراقي من مصاعب وهموم الى نوتة موسيقية تذكرنا دائماً أن أقصى درجات الفن هي تلك التي تلمس الجرح بيدك، ثم تضمدها بلحنٍ حزين جميل يلامس القلوب
خاصّ – إلا
Share this content:



إرسال التعليق