الثلاثاء , 21 سبتمبر 2021

دولة “السعد” اعتذارك مرفوض موضوعيّاً لأسبابٍ منطقيّةٍ رغم أنف السياسة

غادا فؤاد السمّان / رئيس تحرير مجلة إلا – بيروت

سعد الحريري / رئيس مجلس الوزراء اللبناني

سنة ونصف مضت على الاعتذار الاول للرئيس سعد الحريري، تسلّم بعده اكثر من رئيس، ساهم الحريري شخصيّاً في دعمه علّه يكون البديل الأصلح لتسلّم زمام رئاسة مجلس الوزراء، ودخل الرئيس حسان دياب دخول الفاتحين، فقد فتح أبواب الانهيار بابا تلو الآخر، وكان الاكثر صمتاً وحياداً ولطفاً ولباقة وهامشيّة، وحاول التنصّل من منصبه اكثر من مرة لأنه أدرك صعوبة المهمّة التي جاء لأجلها، وقرر الابتعاد بأقل حرج ممكن امام الشعب اللبناني، وأمام السلطة التي لا يملك لها باعاً يُذكر، وأمام مراياه التي لم تشهد من ثِقَلِ حضوره أكثر من تسريحة شعره، وأمام المجتمع الدولي الذي لم يتعامل معه في أي وقت من الاوقات بمقياس المنصب الذي يشغله.. حتى الاكاديمي مصطفى أديب لم يصمد أمام التشكيل وإشكالاته المتوقعة اكثر من جولة خائبة وجولة مرفوضة وجولة ميؤوسة قادته إلى الإقلاع الفوري عن المتابعة، وسواء استمر أو لن يستمرّ ما كان سينتظره أفضل من مصير الرئيس حسان دياب، وهنا يحضرني السؤال المستفزّ هل ما يحتاجه لبنان مجرّد حامل لقب “الرئيس” هل ما يحتاجه لبنان مجرد شخص يملأ فراغ الكرسي الرئاسي، هل ما يحتاجه لبنان مجرد ممثل يلعب دور رئيس الوزراء..

لبنان اليوم وبتعريف من رجالاته السياسيين الأشاوس وإعلامييه الفذّين يعلمون تمام العلم أن لبنان على شفير الهاوية، وبيقين صاحب العهد القوي يدرك ان لبنان ذاهب إلى جهنم، وبمتابعة التمثيل الدبلوماسي لجميع السفارات الغربية قبل العربية يعلم ان لبنان في مهبّ التيارات والتجاذبات والفساد المكشوف علناً..

فهل يحتمل لبنان فوق كل هذه الاوزار وزر الاعتذار..!!!

لنكن واقعيين.. والاهم ان نكن موضوعيين وإن لمرة واحدة، يقول المثل: “اعط الخبّاز خبزه وإن أكل نصفه”، وينطبق هذا المثل حرفيا على الوضع اللبناني، فلبنان بأمسّ الحاجة اليوم وأكثر من أي وقت مضى إلى شخصيّة وليس شخصاً، إلى مفتاح وليس قفلاً، إلى فاعل وليس مفعولاً، ما يملكه سعد الحريري من ثقة عربية وثقة دولية ورثها عن الشهيد رفيق الحريري رحمه الله هي وحدها الثروة الحقيقية التي لايمكن تبديدها او الاستهانة بها تماما كما لا يمكن تعويضها بسواه، فغيره ربما بوسعه ان يدخل إلى المملكة العربية السعودية معزّزاً مكرّماً، من بوابة السفير السعودي وليد البخاري، وينال عطية تحفظ له ماء وجهه لدى العودة كي لا يشبّه بخفيّ حُنَين، ولكن الأمر يختلف على الصعيد الدولي وخاصة إذا كانت اوراقه مكشوفه بشكل او بآخر، أما سعد الحريري فهو متمرّس في اجتياز الحواجز والمراسم والعقبات على الصعيدين العربي وإن “تعثّر” قليلاً والغربي وهو موضع ترحيب وتقدير وود من دول القرار كفرنسا واميركا وإنكلترا وألمانيا بما فيهم روسيا وتركيا، فالكل يشهد رشاقة حركة التنقّل لديه، ففي الوقت الذي يحتاج غيره إلى عدة شهور لقبول طلب الزيارة تتمّ غالبا باستقبال غير رسمي، نجد سعد الحريري يقرر زياراته في ساعات وكأنما يملك كرتاً أبيضَ يفتح له جميع الابواب وغالبا يكون استقبال رسميا وعلى اكمل ترحيب..

فكيف يفرّط لبنان بمن يتمتّع بهذه الاستثناءات التي تضمن له استقراره واستقلاله عن الوصاية الدولية التي بدأ الحديث عنها جدّياً في الكواليس وكأنما لبنان في غيبوبة او في غباء مطبق لا يعي مايطبخ له من سموم..

الواضح ان سعد الحريري لم يكن ضحية أطماع من وثق بهم من الطبقة السياسية التي أولاها المناصب التي كانت مجرد حلم بالنسبة لها وصارت حقيقة استغلتها لتحقيق أطماعها فقط، بل كان وللأسف الشديد ضحية الفئات الشعبية التي لطالما استفادت من والده الشهيد رفيق الحريري من مساعدات وهِبات وتعليم ووظائف برواتب تفوق طموحاتها، والتي استمرت تتكسّب من ابنه كمقرّب للشارع السنّي البيروتي، الذي لم يصمد سنة او اكثر على الضائقة التي ألمّت بسعد الحريري كزعيم لطالما هلل له وصفّق لعطاياه، ولكن عند اول منعطف للتقصير انقلب على سحنته وكشّر عن أنيابه وتنكّر له وارتدّ موليّاً أدباره لمن يدفع له فتات الفتات ويقدم له بالكاد ما يملأ فمه، وهنا أصبحت خيبة سعد الحريري مزدوجة، ومع ذلك لم يتقهقر ولم ينسحب من الحياة السياسية ولم يضنّ بمَلُكَاتِهِ على لبنان وعلى السلطة التي تعانده وتعارضه وتقطع عليه كافة المداخل والطرقات، بل احتمل ما لا يحتمل وصبر وكابد وعانى، وكل ذلك صقله سياسيا واجتماعيا ومعرفيا وزاده متانة وقوة وجلدا وحنكة وحكمة وحذرا، رغم انه لا يزال هو كما هو واثق الخطوة، طيّباً شهماً ودوداً وقوراً، يملك حضوره رغم تضاؤل الثروة، ويملك علاقاته الدولية رغم تنازله عن اللقب، ويملك قراره رغم العداوات التي تحاصره من الجهات السياسية الاربع، ويملك كلمته وموقفه ورؤيته وجدارته، والاهم انه صار يملك خبرته وخطابه السياسي بجديّة ورصانة ووضوح، فأمام هذه الاملاك تتضاءل جميع الثروات وتصغر جميع الاسماء المرشّحة لتحلّ محلّه لأنها وبمقارنة بسيطة امام هذه الليسته الباهظة ستشعر بفقرها مهما امتلكت من ارقام، وستشعر بخوائها مهما حظيت من تسهيلات، وبدلاً من تبديد وقت العمل لإنقاذ لبنان بالبحث عن اكتمال “الليسته” بالثلث الضامن والثلث المعطل والثلث المماطل، فمن يعلم ماذا سيكون مصير لبنان القادم، يوم لا ينفع ثلث ولا نصف ولا حتى ثلاث ارباع، اذا ما فات الاوان ودخلت معه الوصاية الدولية من الباب المفتوح على الانهيار التام، والفوضى التي يراهن عليها المجتمع الدولي وأنصاره من الداخل.

خاصّ – إلا – 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*