الثلاثاء , 21 سبتمبر 2021

براجيا ميشرا ضحيّة التطرّف الديني الهند “وسي “

مازن مجوز / باحث وإعلامي – بيروت

لا تغيير في سلوك الحقد والكراهية “للمسلمين ” لولا مقطع الفيديو، الذي وثّق لحادثة الأمس، ولما كنا قد تعرّفنا على وحشية القاتل، الذي إنهال بالضرب بسكينه في أماكن متفرقة من جسد مذيعة التلفزيون الهندي الشابة “براجيا ميشرا” في وضح النهار في أحد الشوارع الهندية.

براجيا ميشرا / مذيعة في إحدى محطات التلفزة الهندية – ضحية التطرّف الديني

عشرات الطعنات تلقاها جسد ميشرا أمام أعين المارة، الذين كانوا يفرّون الواحد تلو الآخر، خوفا من تهديدات هذا المجرم بعدم الاقتراب منه أو الدفاع عن فريسته متّخذاً من القتل أسلوبا للتعبير عن تطرفه وعشقه للقتل، وللتعبير عن غضبه من معارضة “مشيرا ” إقامة موسم الحجّ عند الهندوس ” كومبه ميلا ” في ظل جائحة كورونا.

وإذا كانت مراسم هذا العيد تقوم على الغطس في “نهر جانجا”، الأمر الذي يعرّض الكثيرين لخطر العدوى والإصابة بالفيروس المستجد، فإن جلّ ما فعلته “ميشرا ” هو المقارنة بينهم وبين منع المسلمين من أداء الصلاة في المساجد على الرغم من إرتدائهم الكمامة داخل المساجد وخارجها .

براجيا ميشرا شهيدة التطرّف الديني الهند “وسي “

لمدة 71 ثانية إستمر الوحش البشري -المرجح إنتمائه إلى الحزب القومي الهندوسي المتطرّف (بهاراتيا جاناتا) الحاكم- في فعله الإجرامي المروّع هذا، وكأننا في غابة تحكمها الوحوش، سلبت “ميشرا ” حياتها وبشكل مفاجىء ثمناً لموقفها من عيد الهندوس وطقوسه، حتى في ظلّ جائحة كورونا، في حادثة تشكّل نموذجاً جديداً وحيّاً، يضاف الى السجلّ الإجرامي والانتهاكات العنصرية والقتل والإضطهاد الذي لا يزال يتعرّض له المسلمون في الهند، ويعدّ قتل المسلمين ظاهرة طبيعية في الهند ففي 25 سبتمبر 2019 قتل رجل مسلم وجرح إثنان على يد حشد غاضب بعد إتهامهم بذبح بقرة، في إحدى قضايا العنف المتعلّقة بحيوانات تعدّ مقدسة لدى الهندوس الذين يشكّلون أغلبية في البلاد، في غابة ولاية جاركاند شرق الهند وفق ما أفادت الشرطة الهندية آنذاك.. واللافت أنه حتى الشرطة الهندية ليست بريئة من سفك دماء المسلمين بدليل إتهام منظمة العفو الدولية لها بإرتكابها “انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان خلال أعمال شغب ذات طابع ديني وطائفي في دلهي خلال العام الماضي في تقريرها الصادر في 28 آب 2020. ويأتي التقرير على خلفية مقتل أكثر من 40 شخصاً إثر إشتباكات إندلعت بين الهندوس والمسلمين بسبب قانون الجنسية المثير للجدل في شباط 2020، والذي يقضي بمنح الجنسية الهندية لمعتنقي ديانات وافدين من بلدان مجاورة، دون المسلمين.

حينها جنحت الأحداث نحو الطائفية، ولا عجب في ذلك حيث أن الحكومة الحالية برئاسة رئيس الوزراء” ناريندرا مودي” إنتهجت مجموعة من السياسات العنصرية ضد المسلمين ومن ضمنها القانون المذكور، الذي يعتبر خطوة خطيرة جداً لإرضاء رغبات الهندوس المتطرفين، وخطوة إستباقية متقدمة لتحويل الهند من دولة علمانية الى دولة هندوسية وهو ما ادلى به زعماء الحزب الحاكم مرات عديدة .

في السياق نفسه يؤكد المعارضون للقانون إنه يتعارض مع دستور البلاد، ويهمش 200 مليون مسلم في الهند، من أصل 1.4 مليار نسمة، معظمهم من الهندوس. وأدى سنّ ذلك القانون إلى خروج المسلمين في مظاهرات مليونية سلمية عدة، وهو ما أثار غضب العصابات الهندوسية فبدأت أعمالها العنيفة بحرق بيوت ومتاجر المسلمين ومساجدهم وعرباتهم وقتل 40 شخصا منهم وجرح العشرات منهم.

فأمام مشهد العنف والقتل والتنكيل والتعذيب هذا، تجاهلت الشرطة الهندية حماية المسلمين فزاد التوتر يوماً بعد يوم، وسط تشبث الهندوس بأنهم الهوية الأصلية الوحيدة في الهند، وأن جميع المسلمين في الهند لا بد أن يرحلوا الى باكستان والا سيقتلون جميعاً.

موجة العنف الطائفيّة هذه هي الاسوأ في تاريخ نيودلهي منذ عام 1980، بفعل هذا القانون، وهو أول قانون إستثنى المسلمين منذ استقلال الهند، والأمر لا يتوقف عند هذا النوع من السلوكيات الهندية والخسائر لدى المسلمين، فلا عجب إن عرفنا أنّ السلطات الهندية يجردون الأطفال من ملابسهم ليتأكدوا إن كانوا مختونين أم لا، كون الختان عادة إسلامية وليست هندوسية هذا بعض ما يعانيه المسلمون في العاصمة الهندية نيودلهي هذه الحملات تحولت الى واقع لا مفر منه، وأصبحت مشاهد يومية معتادة لكنها أخذت شكل جديد خلال ازمة كورونا إذ وجّهت الشرطة الهندية تهماً بالقتل غير العمد والإهمال إلى زعيم جماعة التبليغ الإسلامية بعد عقده إجتماعاً حضره 8000 شخص تحوّل الى بؤرة للمرض، بالتزامن شنّت حملات عدائيّة على مواقع التواصل الاجتماعي ونشرت أخبار زائفة تربط بين إنتشار الفيروس وبين مؤامرة يقودها المسلمين تحت ما سمي “جهاد كورونا”، وتزايدت الاعتداءات على المسلمين وإرتفعت أصوات تدعو إلى مقاطعة تجارهم.

مساجد المسلمين في الهند برسم التطرّف الهند “وسي “

على ما يبدو أن الحال لا يبشّر بأيّ تغيير إيجابي قريب في وضع المسلمين في الهند خصوصاً في ظل الصمت الدولي وتواصل التهميش السياسي والضعف الإقتصادي، ولعل أبرز اتهام ذلك الذي وجهه الصحفي المتخصص بحروب الشرق الأوسط باتريك كوبيرن في مقاله بصحيفة إندبندنت البريطانية في 1 آذار 2020 إلى المجتمع الدولي بالتثاقل والتخاذل في إدانة المذبحة التي تعرّض لها المسلمون في الهند في كانون الثاني 2020.

ليبقى السؤال هل سيصبح مسلمو الهند الجديدة مواطنين من الدرجة الثانية؟! وبالعودة إلى الشابة “ميشرا ” فإن قتلها بهذه الطريقة الوحشية يدعونا إلى السؤال عما إذا كانت تستحق التكريم في بلد تُعد ثالث أكبر بلد في عدد المسلمين في العالم وأكبر أقلية إسلامية في العالم.؟

حيث تأتي الهند في المركز الثالث بعد إندونيسيا وباكستان من حيث عدد السكان المسلمين. ويوجد فيها 10.9% من مسلمي العالم ما يُقارب 195 مليون مسلم (تعداد 2020) وهم في تزايد مستمر، ويعد الدين الحنيف ثاني أكثر الديانات إنتشاراً في هذا البلد بعد الهندوسية. أم أنه مكتوب على أتباع هذا الدين الحنيف إنتظار مآسٍ جديدة من حوادث القتل الفردي والجماعي كي يستحقّ من يسقط منهم ضحية التطرّف الديني، تكريماً ولو متواضعاً مقابل خسارة حياته كأثمن ما وهبه الله من نِعَم.

 

خاصّ – إلّا –